تعالج مرضى التوحد .. الفروسية من الفنتازيا إلى الاحتراف

الفروسية تعبر عن علاقة قوية يشوبها الإهتمام والتقدير جمعت بين أكثر الحيوانات إستئناسا وجاذبية والإنسان عبر محطات مختلفة من التاريخ البشري، فالفروسية كانت دائما رمزا للقوة والنبل والشجاعة يتقاسم البطولة فيها الجواد وممتطيه، الفارس المغوار ينظر إليه بإعجاب وتقدير أما الخيل فهو البطل المنافس الذي يجلب الأنظار، وهو في تميزه يعبر عن أصله، لذا اكتسى الحصان عبر التاريخ أهمية  عبرت عن قيمته الحقيقية  ومكانته الاجتماعية المرموقة، فثمنه الباهض، جعله حكرا على فئة دون غيرها ، وهذا دليلا آخر على تلك المكانة التي يكتسبها في الحياة الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم.

  زهور بن عياد                                             

عرفت كل الحضارات القديمة الفروسية، وارتبطت  بالحرب منذ أن وعى الإنسان دور الخيل فيها ، ولكن المصادر التاريخية تشير إلى أن العرب والمسلمون تفوقوا في هذه الرياضة، ومفهومها عندهم لم يقتصر على مهارة الفارس في ثباته على ظهر الحصان، بل شملت جانب آخر اكتسى أهمية كبرى تمثل في روح الفروسية بكل ما تحمله من قيم وأخلاق ، فقد جاء الإسلام والعرب يمارسون الفروسية ويفخرون بها ويتباهون بإتقانها ، فأقرها وشجعها وحث عليها الرسول الكريم وكانت الخيل أهم وسائل الجهاد حينئذ ،فسخرت للجهاد في سبيل الله وهذب الإسلام الفروسية ووجهها الوجهة الصحيحة، ومن جانب آخر نهى سيدنا محمد عليه صلوات الله عن إيذاء الخيول وجر أذنابها لان من طباعها الخيلاء والزهو بالنفس ومحبة صاحبها ،والخيل مثل البشر من طبعها المرح  والحزن لذا اتبع الخلفاء وصية الرسول الكريم واهتموا بالخيول، وكان المسلمون يتدربون على الفروسية ويتقنون ممارستها، وقد أنشؤوا لها ساحات وميادين واسعة للتسابق ،حيث كانت تنظم مسابقات في المناسبات والأعياد، وتعتبر الصحراء مدرسة طبيعية لتعليم سباق الخيل .

والفروسية في الإسلام تركز بدرجة كبيرة على أخلاق الفارس حتى أن عرب الاندلس كانوا يتصفون بالفروسية المثالية لتسامحهم ورفقتهم بالضعفاء والمغلوبين، وقدم المسلمون أثناء الفتوحات الإسلامية صور نادرة لأخلاق الفروسية وتتحقق بها نجاحهم أكثر مما حققته جيوشهم .

               تعالج من اضطراب التوحد

تعتبر رياضة الفروسية من الرياضات التي لها فوائد كبيرة على الصحة النفسية والجسدية للإنسان، فمن الناحية الصحية  فهي تنشط الدورة الدموية وتقوي العضلات و تمنع تقلصها، كما أنها تخفف التشنجات وتعد علاجا فعالا لبعض الأمراض المزمنة كشلل الدماغ ،وتقوي القلب وتحسن أداء الأوعية الدموية إلى جانب فوائد أخرى،و تعتبر رياضة ركوب الخيل من أكثر الرياضات التي تساعد على حرق الدهون وتخفيف الوزن، أما من الناحية النفسية والعقلية فهي تقوي التركيز لدى الإنسان وتزيد من الثقة بالنفس، وتعلم الصبر، كما أنها تعلم الصغار أهمية الاعتناء بالحيوانات وتشعرهم بالراحة النفسية والهدوء لأنها تخلق نوعا من الترافق مابين الشخص والحصان .

واستخدمت رياضة الفروسية في الوقت الحالي كعلاج للعديد من الأمراض منها اضطراب التوحد، وقد أثبتت الأبحاث العلمية، نجاعة هذه الرياضة في تجاوز الكثير من الصعوبات الخاصة بهذا المرض.

فمرضى اضطراب التوحد يفتقدون للتواصل مع الآخرين ويجدون صعوبة في مجال التفاعل الاجتماعي والارتباط بالعالم الخارجي، وقد تم بالفعل خوض تجربة تعليم الفروسية لهؤلاء المرضى في الكثير من الدول أين تم اكتشاف الفوائد العلاجية لهذه الرياضة من خلال خلق علاقة بين الحصان والطفل من شأنها تعزيز قدرة هذا الطفل للتواصل وتقربه للمحيط الخارجي  ، كما أن ركوب الخيل  حسن حالتهم  النفسية وأثر على سلوكهم بشكل إيجابي وخلق نوع من الترابط والثقة بينهم وبين الحصان، وتجدر الإشارة أن المصابين باضطراب التوحد يخضعون لتدريب خاص يختلف عن التدريبات العادية ، يشرف علية أطباء مختصين في المجال.

                                            رياضة تقتحم الأولمبياد

تشير بعض المصادر أن دخول الفروسية ضمن الألعاب الأولمبية يعود إلى 1900 ،وكانت أولمبياد 1924 هي الأولى التي أقيمت فيها مسابقات تحت سلطة الإتحاد الدولي للفروسية، وشملت المسابقات ،ثلاثة فعاليات هي الاستعراض والقفز على الحواجز وفعاليات ثلاثة أيام، فيما يخص الاستعراض فهو نوع من الباليه حيث يوجه فيها الفارس جواده للقيام بحركات وخطوات، ويتم تسجيل بعض النقاط من قبل الحكام  الذين يقيمون مدى دقة تنفيذ الجواد لهذه الحركات، وتخصص الألعاب الأولمبية  أربعة أيام لهذا النوع من العروض، أما النوع الثاني من الفعاليات قفز الموانع، وهو اختبار لقدرة الجياد على القفز ومهارة الفارس تظهر من خلال تخطي العديد من الموانع، أما عن فعاليات ثلاثة أيام فهي تشمل سباق الخيل، ويلقى هذا النوع من الفعاليات إقبالا واسعا وله شعبية خاصة به ، وتقام كل  هذه الفعاليات على المستوى الفردي والفرق ،  وقبل سنة 1952 كانت الفروسية مقتصرة في الألعاب الأولمبية على الرجال فقط،ولكنها بعد التاريخ المذكور أصبح بإمكان المرأة المشاركة في كل الفعاليات، وتعتبر الفروسية الرياضة الوحيدة التي يتشارك فيها الرجال والنساء في المنافسات دون وجود قانون خاص يميز أحد الجنسين.

                                  العربي أنقى السلالات و البربري سريع

تتنوع الأحصنة في العالم وتتعدد من حيث مواصفاتها وموطنها الأصلي ، منها الحصان العربي الأصيل الذي يرجع موطنه الأصلي إلى شبه الجزيرة العربية وتعتبر الخيول العربية من أنقى السلالات وأفضلها في العالم،  ويصنف أنه حصان ركوب وجر ومن صفاته السرعة والقوة والتحمل.

وتعرف منطقة شمال إفريقيا بما فيها الجزائر بالحصان البربري، ويعتبر هذا الحصان رياضي بامتياز ويتصف بالسرعة والشجاعة وسرعة التعلم ، وقد اعتمد هذا الحصان  عام 2014 من طرف الإتحاد الدولي للفروسية كحصان شرفي في الألعاب العالمية ، وتم الاستفادة من سلالة هذا النوع  من الأحصنة كمخزون لتطوير سلالات الأحصنة التي تستخدم في السباق، كما نجد الحصان العربي الفارسي الذي يعود موطن سلالته إلى إيران إلى جانب هذه الأنواع تعرف أوروبا كذلك بعدة أنواع منها الإنجليزي الأصيل الذي يعتبر من أحصنة السباق والقفز والسرعة كما نجد أنواع أخرى منها الحصان الإسباني  والأندلسي والكاهني والتروتر الفرنسي والكثير من الأنواع التي تختلف حسب موطنها وصفاتها.

                                       الفنتازيا رباط الخيل بالجزائريين

الفروسية في الجزائر تعود إلى تاريخ طويل مثلها مثل باقي الدول العربية، وقد ارتبط الجزائري بالخيل منذ مئات السنين وكانت استخدامات الحصان في ميادين متعددة، كما تقاسم الخيل الانتفاضات الشعبية والمقاومات التي خاضها الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي، وبالموازاة كانت تمارس الفروسية كرياضة شعبية أي ما يعرف بالفانتازيا، ولها عدة تسميات أخرى منها أصحاب البارود،الوعدة، لكونها تشبه العروض العسكرية ويعود تاريخها إلى قرون خلت ،وهي مرتبطة بعراقة العلاقة بين شعوب شمال إفريقيا والخيل.

تكمن رمزية هذه الألعاب في تجسيدها لتعلق الشعب الجزائري بالفروسية والخيل التي تمثل رمزا تاريخيا تتوارثه الأجيال ، ويتم في مشاهد الفنتازيا استخدام بعض ألعاب الخيل والبارود من خلال تمثيليات لبعض الهجمات يشنها فرسان على متن خيولهم المزينة ، وهذا البعد العسكري هو الرافد الأساسي لرمزية الفنتازيا وتعتبر هذه الفعاليات فرجة ذات شعبية تنظم في عدة مناطق في الجزائر وتتمتع بجاذبية قوية .

وقد انحصرت الفانتازيا في الوقت الحالي في بعض المناطق التي مازالت تحافظ عليها وتحييها في مناسبات معينة وترتبط عادة بالأعياد والأعراس أو التظاهرات المقامة على شرف الأولياء الصالحين ،وأصبح للفنتازيا في عصرنا الحالي بعد سياحي استعراضي فلكلوري، ويعتبر الحصان البربري هو بطل هذه الفعاليات لسهولة قيادته وسرعة تعلمه وترويضة، بالإضافة الى أن هذا النوع من الأحصنة يستوطن الجزائر وبلاد المغرب العربي.

                                        حظيرة” شاوشاوة” أكبر مركز بإفريقيا

حظيرة” شاوشاوة” بتيارت أو”جنة الخيول” كما يطلق عليها البعض وهي أكبر مركز لتربية الخيول في إفريقيا وأول مخبر عربي خاص بالتلقيح الجيني للخيول ويزاوج بين الخيول العربية الأصيلة والخيول البربرية الأصيلة ،ويعود تاريخ تأسيسها الى سنة 1877 بعد صدور مرسوم تنفيذي من وزارة الحرب الفرنسية يقضي بإنشاء مركز لتربية الجياد أثناء الاحتلال الفرنسي.

تمتد حظيرة “شاوشاوة” على مساحة 876 هكتار، وتم اختيار ولاية تيارت لإحتضان هذا المركز لعدة اعتبارات منها إيكولوجية ، فالمنطقة تحتوي على تنوع نباتي هائل و تنفرد بثراء سهوبها وخصوبة مراعيها وتوفر كميات هائلة من الماء، يضاف إلى هذا المزايا، هناك عوامل تاريخية  ،حيث تعتبر منطقة تيارت مهد الفروسية حسب بعض الدراسات التاريخية فقد اشتهر سكان المنطقة بركوب الخيل،  وكانوا من أحسن فرسان الدولة الرستمية .

ولا تزال تيارت تزخر بفعاليات ركوب الخيل ، وقد تم تصنيف حظيرة “شاوشاوة” عام 1995 ضمن المواقع الأثرية الجزائرية لما تمثله من قيمة تاريخية وثقافية كبيرة للجزائر ولما لعبته من دور مفصلي في الاعتناء بالجياد العربية والأصيلة ،وهي اليوم تشهد معدل ولادة سنوية في حدود 55 حصان غالبيتها عربية أصيلة .

                                        تحدي قلة الإمكانيات للاستمرار

قصد الوقوف على واقع رياضة الفروسية في الجزائر كانت لنا زيارات قادتنا لبعض الجمعيات الناشطة في الميدان ، فكانت وجهتنا في البداية جمعية” فرسان بوشاوي” التي تأسست سنة 2012،وتضم 15 عضو، وقد اتخذت هذه الجمعية مساحة من غابة بوشاوي مقرا لها، لتعليم ركوب الخيل وحسب ما أكده لنا أحد المدربين فيها بوناب محمد”أن الجمعية تستقطب ما يقرب 100 منخرط يتدرب على الفروسية تبدأ أعمارهم من سبع سنوات،  يؤطرهم ثلاثة مدربين، وكان لفرسان الجمعية عدة مشاركات في تظاهرات وطنية وإفريقية، وقد حققت فيها نتائج مشجعة،وتملك الجمعية 50 حصان ، وهي تعتمد على إمكانياتها الخاصة التي تجنيها عادة من اشتراكات المنخرطين الذي يصل إلى 5000 شهريا حسب محدثنا” ولكن هذا الدخل لا يكفي حتى لتغطية تكاليف الخاصة بما يتطلبه الاعتناء بالأحصنة من حيث الأكل وتنظيف مكانها ، وقد واجهنا منذ بداية الجائحة ضيق مالي مما اضطرنا لبيع أحصنة من أجل أن نبقي على حياة  الجياد الأخرى ، ونحن نناشد القائمين على هذا القطاع لتقديم الدعم الكافي للنهوض بهذه الرياضة”.

جمعية تاج وهي الجمعية  الوحيدة الخاصة بالفروسية في ولاية عين الدفلى تأسست عام 2012 ، وهي جمعية مختصة في قفز الموانع، فقد أكد لنا “أيمن زبير” نائب رئيسها “أن الجمعية تملك 20 حصان يتدرب عليه 250 ممارس تتراوح أعمارهم من سبع سنوات الى سن غير محدد ، يؤطر هؤلاء مدربين ، ويضيف محدثنا “سعر الاشتراك الرمزي  الذي لا يتجاوز 1000 دينار جزائري هو ما شجع الكثيرين بتسجيل أولادهم لدى جمعيتنا”.

وقد حققت جمعية تاج نتائج إيجابية في البطولة الوطنية التي نظمت في مستغانم وتحصل الفارس “زبير هيثم “على المرتبة الأولى في قفز الموانع في مسافة 1,25 م حواجز ، كما حاز فرسان تاج المنضمين للفريق الوطني على المركز الاول حسب الفرق، في الألعاب العربية التي أقيمت في تونس سنة 2018 ،أما عن الصعوبات التي تواجه الجمعية  في نشاطاتها فقد تحدث أيمن زبير عن قلة الإمكانيات التي لا تتوافق مع التكاليف الباهظة التي تخص تربية الخيول ، وفي هذا الصدد يقول “أن تكلفة ما يأكله الحصان الواحد في الشهر يصل إلى 20000 دينار جزائري ناهيك عن أجور العمال القائمين على تنظيف الإسطبلات والمدربين ، لذا نضطر في الكثير من الأحيان على الاعتماد على إمكانياتنا الخاصة للمحافظة على هذه الرياضة العريقة وتشجيع الأطفال على ممارستها “.

                                                نادي برج البحري من أنشط النوادي

يتربع نادي الفروسية ببرج البحري على مساحة تبلغ 10 هكتارات، ويعتبر من الأندية التي تستقطب أعداد لا بأس بها من الأطفال والشباب كما يعرف هذا النادي نشاطا مميزا ، وهذا يرجع بالأساس للإمكانيات المادية والمعنوية التي توفرها شركة سوناطراك باعتبارها الممول الرئيسي للنادي، وقد بلغ عدد المنخرطين في سنة 2019 ما يقارب 500 منخرط يقوم على تدريبه أربع مدربين يترواح ثمن الانخراط مابين 6000دج و8000 دينار جزائري ، وهذا حسب الفئات العمرية، لكن عدد المنخرطين تقلص هذا في الثلاثي الأول من سنة 2020 إلى 250منخرط بسبب جائحة كورونا ،وللإشارة فالنادي يملك 35 حصان 11 منهم خاص بالتدريب على المنافسات الوطنية والدولية .

وقد حاز نادي الفروسية ببرج البحري على المراكز الأولى في عدة تظاهرات  حسب ما أكده لنا السيد   و تحصل على البطولة الوطنية  لثلاث مرات،كما وجهت له دعوة للمشاركة في بطولة العالم للرياضة الجامعية سنة 2010 ، ويهتم النادي بتكوين وتعليم الفروسية وانتقاء الفرسان ومتابعتهم وتحضيرهم لمختلف المنافسات، وللإشارة فالتدريب يختص في القفز على الحواجز والقدرة على التحمل كما يفتح النادي أبوابه في العطل الأسبوعية  للعائلات للتنزه وكذا الجمعيات  الخيرية  المختلفة.

                                                                                                                              

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى