الثقافة

قصص حب مستحيل.. جمعت الأدباء بالكاتبات وبقيت خالدة في رسائل جميلة

توصف بأنها قصص حب أسطورية وفي نفس الوقت خالدة، لأن  لهيبها مازال عالقا بالذاكرة بعد عقود من الزمن، ينبض على صفحات الورق، أبطالها أدباء وكاتبات عاشوا فيما بينهم قصصا غرامية تحترق بعنفوان الشوق، نادرا ما توجت لهفة العشق فيها بعقد قران ولقاء الحبيبين في طريق حياة مشترك، بالشرق والغرب على حد سواء، لأن النهاية السعيدة لهذه المشاعر الرقيقة بدت مستحيلة وصعبة التحقيق.

فضيلة- ب

نذكر من أشهر هذه القصص التي تستوقفنا، علاقة الحب التي جمعت خليل جبران ومي زيادة ونزار قباني بكوليت خولي وفي الغرب نجد كل من قصة هنري مللر مع أناييس نن ولوعة سارتر سيمو على دي بوفوار، وعشق مصطفى الصادق الرافعي الذي ألهمته شاعرة اسمها ماري يني ، كلها قصص تتقاطع في الإثارة  وسجلها المشهد الإبداعي الأدبي، لكنها لم تكن عابرة مثل قصص الناس العاديين فأفضت إلى أجمل رسائل حب أدبية، تفيض بالمشاعر.

شتاء الخديعة

جمعتهما قصة حب كبيرة يمكن وصفها بالعنيفة كاد أن يحترق منها ورق الرسائل، ويتحول الحبر فيها إلى كبريت، إنهما الثنائي “أناييس نن” و”هنري ميلر”، أما الكاتبة فإسبانية الأصل وفرنسية الثقافة تقطن الولايات المتحدة الامريكية، بينما الحبيب روائي أمريكي عاش في منتصف القرن التاسع عشر، تبادلا الاحساس وتناغمت مشاعرهما وتفجرت لغة الغرام بين الحرف والكلمة، تطابق المشاعر والاحلام سرع بميلاد قصتهما، فأناييس ولدت عام 1903بباريس، عملت في البداية عارضة أزياء، ثم محللة نفسانية، قبل أن تحترف الكتابة،  علما أنها أصدرت من الروايات “شتاء الخديعة” و”جاسوس في بيت الحب” و”سلم الحريق”، ومن قصصها “أطفال القطرس” و”دلتا فيوس” و”تحت الناقوس الزجاجي”، علما أنها ترعرعت ما بين إسبانيا وكوبا وباريس، وبعد ذلك استقرت بأمريكا حيث إلتقت هنري ميلر المولود عام 1891 الروائي والرسام الأمريكي، وتألق بعدة إصدارات من بينها “مدار السرطان” و”مدار الجدي” و”الربيع الأسود” ظلا لسنوات يبدعان في كتابة وتبادل مشاعر الحب بلغة إبداعية رفيعة، وتضمن البوح المكتوب من أناييس إلى هنري حرارة القلب الظمآن: “أرجوك أن تفهم..هنري.. أنا في تمرّد كامل على عقلي، عندما أعيش، أعيش بالنبض، بالعاطفة، بالحرارة البيضاء. عقلي لم يكن معي حين مشينا معًا بجنون في شوارع باريس، غافلَين عن الناس، عن الوقت، عن المكان، عن الآخرين… أنا ممتلئة بالحياة، أنا متحمّسة، أنا محمومة .. واللغة سوف تُسحب دائمًا وتتأخر في الخلف. أنا لا أقرأ رسائلي حين أنتهي منها..”.

وحملت رسالة هنري إلى أناييس وهجا مستفيضا: “ليتك تكونين معي على مدى أربع وعشرين ساعة، تراقبين كل إيماءاتي، تنامين معي، تأكلين معي، تعملين معي، هذه الأمور لا يمكن أنْ تحدث.. عندما أكون بعيداً عنك أفكر فيك باستمرار، فذلك يُلوِّن كل ما أقول وأفعل.. ليتكِ تعرفين كم أنا مُخلص لك! ليس فقط جسدياً، بل وعقلياً، وأخلاقياً، وروحياً…للمرة الأولى في حياتي أنا منغمس تماماً في كائن آخر.. فيك.. لم أكن أقصد أوروبا، بل أنتِ.. لكني لا أستطيع أن أجهر بهذا للعالم في مقالة..إن أوروبا هي أنتِ.. لقد استوليتِ عليّ، أنا المكسور وأنتِ التي جعلتني كاملاً..”

للأسف لم يتوج الحب بالزواج والعش السعيد. فرحلت  أناييس عن هذه الدنيا بالسرطان سنة 1977 في لوس انجلوس فقفز اسمها إلى قائمة أعلى المبيعات في أمريكا وبريطانيا بعد أشهر قليلة، بينما مات  بعدها هنري بثلاث سنوات، لكنهما تركا رسائلا مطولة حفظتها الذاكرة الأدبية واختزلت حالة من حب صنف ضمن المستحيل.

الأجنحة المتكسرة

اشتعل الحب الأسطوري بين الكاتبة مي زيادة والشاعر خليل جبران خليل وكان حبا بالمراسلة، فلم يلتق العاشقان أبدا، بل كان بعيدين جسديا وقريبين روحيا، فعاشت مي ابنة من أب لبناني وأم فلسطينية بالقاهرة وكان جبران اللبناني يقطن مدينة نيويورك، ورغم ذلك استمرت حالة الحب التي ربطتهما لزمن طويل قارب العقدين من الزمن، لم تنقطع الخطابات بينهما، حيث لبست حلة أدبية إبداعية ساحرة وشابهت الحب الافلاطوني، حتى رحل جبران عن هذه الدنيا، وأطلق على قصة عشقهما تسمية الحب السماوي. وإن كانت مي أو ماري زيادة الأديبة المبدعة التي تميزت بالجمال ورهافة الإحساس وقوة الإبداع، قد خطفت قلوب العديد من رواد الأدب العربي في عصرها على غرار مصطفى العقاد والرافعي عرفت بأنها المرأة اللغز وكان لها صالونها الادبي، فلم تحب أحدا كما فعلت مع خليل جبران، وتوطدت هذه العلاقة أكثر عندما جمع بينهما كتاب “بين الجزر والمد” جبران كرسام ومي كاتبة، ورغم الحب الكبير الذي حمله جبران في قلبه إلى مي ، يقال أنه بقي مشغولا بهاجسه الأدبي، وحرصه ببلوغ قمة النجاح الأدبي، وتشهد الرسائل الادبية التي جمعتهما على ذلك.وكان هذا الشاعر العاشق يستوحي أعماله الأدبية من تلك العلاقة الغرامية، وظهر ذلك في روايته الشهيرة “الأجنحة المتكسرة” ومن جهتها مي زيادة يروى أنها انشغلت بجمع رسائل جبران وحرصت على حفظها، وكانت في متناول القراء، بينما ضاعت العديد من رسائلها إليه بعد وفاته، وبقيت وفية تماما مثل وفاء المرأة الشرقية لهذا الحب الكبير، فحرمت نفسها من الزواج وماتت عزباء، وأسفرت هذه العلاقة عن رسائل رائعة تصنف ضمن التراث الأدبي الثمين.

رجل مولع بغرام إمرأة

اشتعلت قصة حب الفرنسيين “جان بول سارتر”و “سيمون دي بوفوار” بشكل عادي كما العديد من قصص الحب على مقاعد الدراسة، وداخل أسوار الجامعة في عام 1929، لكنها سرعان ما اتسعت وتجذرت في عمق وجديهما مشاعر كبيرة اتسمت بالصدق والقوة فتخرج المفكر والفيلسوف سارتر الأول على الدفعة واحتلت “سيمون” المرتبة الثانية، ومن هنا ظل متلازمين رغم نهاية الدراسة، وبقيا مع بعضهما مدى الحياة لكن زواجهما كان مستحيلا كما صرحت بذلك “سيمون” حيث بعد أن طلبها سارتر للزواج لم يكن يملك مهرا، وعاد مرة أخرى ليطلب منها التوقيع على عقد بينهما لمدة سنتين، لكن “دي بوفوار” فضلت  أن لا تتزوج فلم تقاسم سارتر مسكنه ولم ترزق بأولاد وسخرت حياتها للكتابة والتفوق الاكاديمي، لكنها بقيت رفيقة عمر وشريكة أفكار سارتر مدى الحياة، و لشدة ارتباطها به فكريا وعاطفيا كانا يقضيان الوقت في محاورات ومناقشات فلسفية عميقة ومطولة ، وتأكد أن أثر رسائلهما كشفت العديد من خفايا شخصية سارتر، على اعتبار أنه كان يكتب إلى “سيمون” عن جميع تفاصيل حياته اليومية مما دفع ذلك بالنقاد إلى التساؤل إذا كانت علاقاته بها تتمثل في علاقة رجل مولع بغرام إمرأة، أم علاقة طفل بوالدته. لأن “سارتر” لم يخف أن أجمل شيء في “سيمون” أنها لا تقول إلا ما يجب أن يقال، وأنها الشخصية الوحيدة التي لا تكذب عليه وكان يغتبط بالرضوخ إلى رأيها في نهاية أي نقاش يدور بينهما.

الحب الكبير

من دون مبالغة أو إنحياز،قيل أن من أجمل ما كتب الشاعر السوري نزار قباني من رسائل غرامية، كانت من نصيب الكاتبة والروائية السورية كوليت خوري، حيث نبض قلبيهما في مرحلة مبكرة من ربيع عمريهما، لكن ما لم يتوج هذه القصة الجميلة الحارقة بالزواج عدم إطلاع “كوليت” على رسائل حبيبها نزار، إلا بعد زواجها، كونها افترقت عنه، عندما أحست بأن الحب الذي تكنه له أكبر بكثير من حبه لها، ورغم محاولات نزار حتى لا تقطع هذه العلاقة لكن العاشقة كانت قد اتخذت قرارها النهائي. فكتبت بعد ذلك روايتها الشهيرة “أيام معه” فحمل بطل الرواية “زياد” شخصية وصفات وطباع نزار قباني.

بينما شاعر الحب والمرأة نزار قباني كما يلقب فكتب عن “كوليت” دوواين شعر وأرسل إليها27 رسالة حب مازالت حية تنبض بالعواطف داخل درج المكتب، ويوجد فضول كبير للإطلاع على فيض أحاسيس هذه الرسائل التي يتوقع أن تكون من أجمل ما كتب من رسائل الحب الأدبية. وكشفت “كوليت خوري” أنها كانت الحب الكبير في حياة نزار، ولم تخف انه لم يتوقف عن حبها حتى وافته المنية.

السحاب الأحمر

نعم لم تكن بالنسبة إليه إمرأة عادية لأنها جعلته يترجم حالتهما العاطفية في نصوص نثرية حارقة، إنها الشاعرة السورية ماري يني التي استولت على قلب مصطفى الصادق الرافعي، الذي خفق لها ليس قلبه فقط بل كامل جسده، عندما إلتقاها لأول مرة بحمدون اللبنانية عام1912. تحقق الاعجاب من النظرة الاولى، فشغف بها عندما وصفها في مولوده الموسوم “السحاب الأحمر”قائلا: “..رأيت وجه فتاة عرفتها قديماً في ربوة لبنان، ينتهي الوصف إلى جمالها ثم يقف، كنت أرى الشمس كأنما تجري في شعرها ذهباً، وتتوقد في خدها ياقوتاً، وتسطع من ثغرها لؤلؤة..” بل نجح هذا الغرام الذي دام طويلا وحتى بعد زواجها في إلهامه في كتاب “حديث القمر” و كانت حاضرة في كل من  “رسائل الأحزان”و “أوراق الورد” حي عبأ هذه الابداعات برسائله النثرية إليها. ولم تبخل هذه الشاعرة السورية برسائلها الخاصة إليه، ولم تخف مشاعرها الجياشة اتجاهه: “..أأنساك؟! قد أتسامح للذاكرة أن تستبد بي ما شاءت، ولكني لا أجيز لها أن تتعدى هذا الحد المقدس، في جعل نفسها حاجزاً بيني وبين صديق أفاخر به سراً وجهراً، وأغار من نفسي في نصيب منه.. هذه مكانتك من نفسي، وهي مع سعتها قليلة في نظري إلى جانب ما تستحق…. وبقيت ماري وفية إلى حبيبها حتى بعد زواجها من إبراهيم عطا الله وسفرها إلى أمريكا واشتغالها بالصحافة فلم تنقطع عن مراسلته وزيارته في طنطا.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى