وقفات ومواقف

من يصنع اليأس…؟

من يصنع اليأس…؟
بقلم الأستاذ آدم الأمين
إن اليأس صناعة، مهندسوها النخب في المجتمعات، وخبراؤها أعداؤها، وأرباب مصالح سلطوية ومالية فيها، والشعوب في ذلك ضحايا في كل الحالات، تمرر عليهم المصالح برضاهم وبغير رضاهم، ثاروا أو استسلموا، هم الذين يدفعون الثمن “مذبوح في العيد أو في عاشوراء”، ذلك أن اليأس في المجتمع لا يولد كتلة واحدة، هكذا في لحظة ما، كان متفائلا فأصبح يائسا، وإنما يتراكم شيئا فشيئا.
اليوم يقال له نم وارتاح هناك من  تضمن لك وتقدم لك، ثم يمنع من الوصول إلى حق له، وغدا يحرم من القيام بواجب، وبعد غد يقال له إنك لا تفهم، وفي اليوم الرابع يقال له إنك مستعمل ومغرر بك، وفي الخامس يقال له نحن في أزمة يجب أن تشارك في التقشف بالاستغناء عن بعض الضرورات أو تتحمل بعض الإجراءات الاستثنائية، إلى أن يصبح يتربع على كمٍّ هائل من المظالم والتجاوزات والأخطاء والخطايا.
فيفقد بقدر ذلك من التفاؤل والأمل والأماني، بحيث يصبح المجتمع أينما يولِّ وجهه يرى مظلمة أو تجاوزا أو خطأ أو خطيئة، عندئذ يتحول إلى يائس بالكامل، وهنا تختلف فئات المجتمعات في التعامل مع “ظاهرة اليأس” هذه، فبعضهم يهجر البلد ويذهب إلى حيث يجد من  يقدره ويقدر جهده، وفي هذا الإطار تدخل جميع أنواع الهجرة الشرعية وغير الشرعية، وبعضهم يتجاهل المؤسسات الرسمية لأنه لا يرى فيها ضمانا لحقوقه فيخرج عن القانون ويحدث لنفسه قنوات أخرى، وفي هذا الإطار تدخل “المعريفة”، والعلاقات الخاصة والرشوة والارتشاء…، وهذا الصنف لا يدخل فيه الشعبي الذي يشعر بالظلم وحسب، وإنما يدخل فيه الموظف في مؤسسات الدولة أيضا، الذي تنتقل إليه عدوى عدم الشعور بالحماية، هو الآخر، فيسخر نفوذه في خدمة نفسه بما يأخذ ويتوسط ويعطي…، ثم تأتي المرحلة الأخيرة من اليأس وهي التخريب والتمرد على الواقع احتجاجا على الفساد، الذي تراكمت أصنافه وأشكاله ومضامينه.
إن المرء يتألم لهذا الواقع، إذ لا يوجد عاقل يرضى أن يهاجر الشاب من بلاده بسبب حرمانه من العمل أو من أبسط الضمانات الاجتماعية التي تكفيه شر السؤال، كما لا يوجد من العقلاء من يرضى بالخروج عن القانون لتحل محله فوضى العلاقات الشخصية والعشائرية والجهوية والمصالح الخاصة، ومن باب أولى عدم وجود من يرضى أن تحرق بلاده بحجة أن شعبها يطالب بحقوقه الضائعة..، ولكن ما هي النتائج التي ننتظرها عندما يهدد المجتمع في أبسط حقوقه..؟ إنه حتما لا يعبأ بالمصلحة العامة بقدر ما يهتم بمصالحه الخاصة، لأن السفينة التي يركبها لا يجد فيها نظاما يحدد له مساراته واحترام ما له وما عليه، وعندما يتشتت المجتمع ويصبح مجموعات متباعدة لا يهمها إلا مصالحها الشخصية الفردية والفئوية، فإنهم لا يجمعون إلا على تحطيم ذلك الواقع وكسره، ولا أحد يفكر في النتيجة..، لأنه لا يتصور لها نتائج، يكون هو أول ضحاياها. والفتن كما هو معروف، معلومة البداية ولكن نهاياتها لا يمكن لأحد تقديرها مهما ادعى ذلك .

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. النخب الحقيقية لا تصنع اليأس بل تصنع الأمل وتحي في الأمم ما يساعدها على تحقيق سعادتها وطمأنينتها…….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى