وقفات ومواقف

مدينة الجزائر تحكي.. تفوقت على روما ومرسيليا ورائدة بالمتوسط

 

الأستاذ أدم محمد الأمين

تقع مدينة الجزائر بين خطي عرض 36 و46 شمالا، وخط طول 3,3 إلى الشرق من خط غرينيتش حيث يحدها شمالا البحر المتوسط وشرقا إقليم قسنطينة وجبال القبائل وود سيباو ومن الغرب الإقليم الوهراني.

وتتشكل مدينة الجزائر من قسمين قسم سهلي منبسط، يعرف بسهل متيجة وهو مصدر التموين للمدينة من حاجياتها الغذائية (الخضرـ الفواكه اللحوم)، والقسم الثاني يعرف بالساحل أي الجهة المقابلة للبحر.

اشتهر إقليم مدينة الجزائر بخصوبة التربة وهي تنقسم إلى تربة رسوبية سمراء أو رمادية في متيجة وحمراء في منطقة الساحل أما المناخ الذي يسود هذا الإقليم هو المناخ المعتدل الدافئ شتاء يعرف بمناخ البحر الأبيض المتوسط يمكن تحمله بهبوب نسيم البحر يلطف الأجواء

جزيرة النورس

تعود أصول المدينة إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد،وتختلف الأقاويل المؤرخين  وتتضارب في نسبة تسميتها، فيذكر عبد الرحمان الجيلالي إنه كانت هناك مجموعة الجزر ومن جمعها عاد إسم الجزائر.

وهناك رأي أخر ومخالف يروي إن كلمة ايكوسيم مركبة من جزئيين، أي: بمعنى الجزيرة كسيم: بمعنى الشوك وجمعها هو جزيرة الشوك وهناك من يخالف الآراء السابقة ويذكر إن كلمة ايكوسيم مركبة من شطرين، أي: بمعنى الجزيرة، كسيم: النورس. وهي جزيرة النورس.

وهناك أسطورة  تقول إن هرقل خرج مع عشرين من أصحابه بقصد الوصول إلى الغرب ليفصل بين جزيرة ايبريا والمغرب،ـ ما يعرف اليوم بأعمدة هرقل في مضيق جبل طارق، ولما وصل هرقل وأصحابه إلى المكان المعروف اليوم بالجزائر للاستراحة أعجبوا بالمكان وانفصلوا عليه وأطلقوا على المكان اسم ايكوسي أي العشرين وأرخ لهذه الأسطورة المؤرخ الروماني صاولين.

ويذكر مارمول كاربخال إن الرومان يسمونها يوليا القيصرية على شرف يوليوس قيصروأمام هذا الاختلاف في المعاني والتباعد فيما بينها، لايمكن إعطاء حكم ثابت حول أصل التسمية لعدم وجود دليل قاطع يحملنا على اختيار بين المعاني المختلفة .

مدينة مهجورة

هي تلك المدينة الساحرة حباها الله بجمال طبيعتها الضاربة في التاريخ لجئ إليها الفينيقيون بعد هجرتهم نحو شمال إفريقيا  وجعلوا منها مرفأ لسفنهم ويكون أول من حل بالمدينة، وهذا ما أكدته الدراسات الأثرية والحفريات، فلقد تم اكتشاف جرة مملوءة بالمسكوكات وهي تمثل 158 قطعة نحاسية و154 من رصاص مكتوبة بالخط الفينيقي من اليمين لليسار ومضروب عليها لفظة ايكوسيم . وبالموازاة مع اكتشافات أخرى تشهد وجود علاقات تجارية مع الضفة الأخرى جنوب ايطالية.

وبعد جلاء الفينيقيين حكم الرومان المدينة  icosim وتوسعت قليلا عما كانت فيه في العهد الفينيقي، وازدهرت الحياة فيها ثم انتقلت من حكم اوغست إلى وصاية موريطانيا القيصرية وأصبحت المدينة مستعمرة رومانية، وفي القرن الرابع ميلادي وعلى اثر تردي الأوضاع واستياء الأهالي قاد فيرومس ثورة على الحكام اسقط المدينة ونهبها سنة 372 وبقيت المدينة مهجورة بعد جلاء الرومان منها ولم تذكرها المصادر فيما بعد.

حضارة وإزدهار

بقيت المدينة منسية بعد جلاء الرومان من القرن الخامس إلى القرن العاشر حيث أمر زيري بن مناد الصنهاجي ابنه بلكين ببناء مدينة سنة 960م  ولقد وقع اختيار بلكين على الموقع القديم لأكوزيم وأعجب به وذلك بسبب مجموعة الجزر والإمكانيات الطبيعية لها وكذلك إمكانيات استغلال الحجارة الموجودة من بقايا المدينة القديمة ووجود تخطيط عمراني، وعرفت بجزائر بني مزغنة نسبة لقبيلة بنو مزغنة.

ولقد اشتهرت في عهد بلكين بن زيري الذي عمل على إعادة الوجه الحضاري للمدينة وازدهارها وهذا ما أكده ابن حوقل بقوله: (…. أقيمت الجزائر حول خليج وتحيط بها الأسوار وهي تحوي على عدد كبير من الأسواق وبعض ينابيع بالقرب من البحر..) وهذا دليل على الاستقرار والازدهار.

ويضيف المراكشي في كتابه الاستبصار واصفا إياها (… مدينة أزلية على ضفة البحر، والبحر يضرب في صورها، وهي قديمة البناء أزلية فيها الكثير من الآثار العجيبة…). ولقد تولى على المدينة العديد من الحكام في العهد الإسلامي فبعد سقوط الدولة الزيرية، كانت المدينة جزء من مملكة بني حماد ودمجوها في ملكهم، ثم استولى عليها المرابطون ومن بعدها عادت لسلطان الموحدين(546ه -1152 م) وفي سنة(580 ه- 1185 م) استولى عليها ابن غانية على الجزائر ولكنه لم يحتفظ بها طويلا ثم حكمها المأمون الموحدي سنة(627ه- 1230 م )حكمها الحفصيين.وفي سنة(652ه- 1255م)تم التمرد على الحفصيين وطردهم ولقد عاش أهالي الجزائر بدون وصاية ومستقلين حتى عام(675ه-1277م) استعاد أبو زكريا الحفصي المدينة ليلحقها لبجاية وفي سنة(706ه- 1307 م) حرر ابن علان المدينة وبقيت أربع عشر عام حرة لا تخضع لسلطان أي إمارة حتى ضمها أبو حمو الأول لحكم الزيانيين (720ه- 1321م) ــ(747ه- 1347 م)، ثم ضمها المرينيين(747ه- 1347 م) ــ(751ه- 1351 م)  واستعادها أبو حمو الثاني وبسبب الضرائب المرتفعة  ثاروا عليه.

حاضرة علمية ساطعة

فلم تعش المدينة الاستقرار السياسي فكانت الأحوال دائما مضطربة وهذا ما انعكس بالسلب على الحياة الاجتماعية للأهالي والأوضاع  الاقتصادية وسبب ركود الحياة الثقافية والفكرية والعلمية، فكانت المدينة خالية من العلماء ووصفها العبدري في رحلته فقال (… لم يبق بها من هو أهل العلم محسوب، ولا شخص إلى الفن من فنون المعارف منسوب، وقد دخلتها سائلا عن عالم يكشف كربة، أو أديب يؤنس غربة، فكأني اسأل عن الأبلق العقوق …).

حكم الثعالبة المدينة وكانوا أسيادها وأقاموا جمهورية صغيرة يحكمها الفئة البرجوازية ويعتبر عبد الرحمان الثعالبي أشهر حكام المدينة وفي فترة حكمه عادت الجزائر حاضرة علمية تنافس بجاية. لقد كانت المدينة مزدهرة فنشاطها التجاري وموقعها كان محل أطماع الغزاة، وكان عبد الرحمان الثعالبي قد استشعر هذا في رؤيت(…فإن كل عاقل يستشعر قتال بني الأصفر….ولو اطلعتم على ما اطلعت عليه من التحريض  لما وسعكم أن تنشغلوا بشيء بعد الصلاة إلا بآلة الجهاد…)

حماية مزعجة

خاصة بعد سقوط غرناطة آخر ممالك المسلمين في الأندلس، وتوافد المهاجرون إليها قررت اليزابيلا وفرديناند إخضاع شمال إفريقيا وهكذا استولى على المرسى الكبير 1505م  ووهران 1509م، بجاية 1510، وأمام هذا التوسع الإسباني في المنطقة اعترف أهالي المدينة بالسيادة الإسبانية وظلوا يدفعون الضرائب للأسبان وهذا لم يقنع الأسبان فأقاموا قبالة المدينة حصن عرف بحصن البنيون، فأصبحت الحامية الإسبانية الموجودة تزعج الأهالي وظلت شوكة في حلقهم وضاقوا من تصرفاتهم وبموت فرديناند اعتبر الأهالي أنهم غير ملزمين بدفع الأموال، بل استنجد الأهالي بالإخوة بربروس الذين اشتهروا بالشجاعة خصوصا بعد طردهم الأسبان من بجاية 1512م، فبعث سالم التومي بوفد للإخوة حيث وافقوا على نجدة الأهالي ففي خريف 1516م وقعت معركة كبيرة بين الإخوة بربروس والأسبان عرفت بمعركة باب الوادي وكان النصر حليف المسلمين، وبعدها قرر عروج الاستقرار في المدينة ولقد حاول عروج تحطيم الحصن ولكنه فشل وبعد موت عروج وهو يحاول فتح تلمسان،  قرر خير الدين الخروج من المدينة ولكن ضغط الأهالي دفعه للبقاء،  مقابل إرسال وفد يحمل رسالة من الأهالي إلى السلطان سليم الأول سنة 1519 م ،حيث عين خيرالدين بربروس بيلربايعلى إيالة الجزائر ْوألحقها بالخلافة العثمانية.

حملات صليبية شرسة

وأرسل السلطان ألفين إنكشاري لدعم الإيالة ولقد استطاع خيرالدين بربروس  تحطيم الحصن الاسباني سنة 1529م وأمر بإنشاء ممر يربط الجزيرة بالشاطئ ولقد أصبحت المدينة عاصمة للإيالة، وأصبح كل القطر معروف بالجزائر.ولقد استمرت الحملات الإسبانية والصليبية على المدينة ولكنها كانت تنكسر أمام تحصينات المدينة القوية، فكانت الأسوار الشامخة تحيط بالمدينة وتجاوز طولها الكيلومتران ونصف وعلوها يتجاوز العشر أمتار وعرضها حوالي المتران وفي أسفلها خنادق عميقة وكانت الأبراج والثكنات منتشرة على طول المدينة وكان للمدينة خمس أبواب تغلق مع غروب الشمس وتفتح مع شروقها.فلقد قضى الحكام على أعدائهم وسيطروا على البحر وانصرفوا في شؤونه فأصبحت الجزائر عاصمة الجهاد البحري  والقوى البحرية في المتوسط. وجلبت مدينة الجزائر الاهتمام إليها باعتبارها قطب الدولة العلية في المتوسط ، فأصبحت مزارا للعلماء والفقهاء وهذا دليل على الازدهار والرقي الذي شاهدته المدينة في العهد العثماني ووصفها ابن زاكور الفاسي (… بدخول مدينة الجزائر، ذات الجمال الباهر، وحلول مغانيها النواظر التي غص ببهجتها كل عدو كافر، فلذلك يتربصون بها الدوائر، في الموارد والمصادر يرسلون عليها صواعق لم تعهد في الزمن الغابر ….). فكانت مدينة ذات حركة اقتصادية نشيطة متميزة بأسواقها المنتشرة في محيط المدينة وأهمها سوق باب عزون، سوق باب الوادي، ورحبة السمن بالقرب من جامع سيدي رمضان، وكان بالمدينة خمس فنادق، فلقد كانت مدينة رائدة في المتوسط تتفوق على باليرمو وروما ومرسيليا ولا تتفوق عليها إلا نابولي في المتوسط الغربي. ولقد استمرت الأوضاع مستقرة ومزدهرة حتى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر وبداية المؤامرات حتى سقطت المدينة في يد الفرنسيين بعد حصار دام ثلاث سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى