وقفات ومواقف

” فقه اللحظة التربوية ” و العمل الدعوي خلال النوازل. 

لما يكون الأستاذ في خدمة طلبته و لو من وراء البحار

” فقه اللحظة التربوية ” و العمل الدعوي خلال النوازل. 

بقلم  الدكتورمحمد مصطفى حابس: جينيف / سويسرا

 

و نحن على أبواب الامتحانات السنوية في مختلف الاطوار، متابعين لانشغالات الأولياء والطلبة على الفضاء الأزرق خاصة ، استوقفتني رسالة أستاذ مربي يحمل هم العلم و التعلم وهو في خدمة طلبته ولو من وراء البحار ، وما أندهم في عالمنا الغربي لتعدد الإنشغالات وقلة البركة في الأوقات، رغم ذلك فضائل وسائل التواصل الاجتماعي التي تقرب البعاد وتسهل الصعاب تفرز لنا قصص و نماذج لا يخلو المجتمع من الخير و أهل الخير، وهذه  بعض القطوف رسالة  يرد فيه المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث المقيم بمملكة النرويج والأستاذ الأسبق بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، على إحدى طالبات جامعته بقسنطينة، و قد عودتنا صفحة منتدى دراسات النهضة الحضارية و مواقع أخرى منذ سنوات لتبادل الرسائل وطلبات المساعدة و التوجيه بين الأستاذ و طلبته، بحيث تقول فيها احدى الطالبات:   

” الى المشرفين على منتدى الدراسات الحضارية، السلام عليكم ورحمة الله، وبعد : 

 لدي طلب ورجاء لسيدي الدكتور الطيب برغوث، أنا طالبة ماستر2من جامعة الأمير عبد القادر قسم الدعوة والإعلام، أرجو من شيخنا أن يساعدني في مذكرتي وذلك من خلال إعطائي رؤيته للعمل الدعوي خلال جائحة كرونا، وهو موضوع بحثي، ويكون ذلك بمثابة شهادة حية للشيخ وجزاكم الله خيرا .. أتمنى ردكم ودعمكم”، مختتمة طلبها بقولها :” .. فخلال قراءتي في مختلف الدراسات، رأيت أن العمل الدعوي خلال الأزمات غائب أو مغيب، المرجو منكم سيدي توضيح بعض النقاط حول أهمية العمل الدعوي خلال جائحة كرونا، وضرورته، كي يساير مختلف النوازل والمستجدات، يطوقها موجها وفاعلا، وربما بديلا  ومخلصا. وكلامكم في الموضوع سيكون بالنسبة لي  مرجعا أكاديميا، .. ومعذرة على الاطالة ” ( توقيع : الطالبة فليفلة مسعودة/ جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية- قسنطينة). 

 

وتحت عنوان “ما أروع خدمة الطلبة المجدين”، رد عليها الشيخ الدكتور الطيب برغوث، بما يلي، بعد أن حمد الله و أثنى عليه، أما بعد :

هذه رسالة طيبة جاءتني اليوم، من ابنتي الطالبة فليفلة مسعودة، وأنا أشكرها عليها، وعلى ثقتها بي، وأقول لها ولسائر إخواني الطلبة وأخواتي الطالبات، بأن خدمة الطلبة المجدين، الحريصين على أن يكونوا قدوة في المجتمع أمثالكم،  من أكبر القربات عند الله تعالى، وأكثر المبرات التي يمكن للإنسان أن يتقرب بها إلى الله تعالى، وأنا شخصيا أشعر بقمة السعادة عندما أقدم خدمة للطلبة، وأحس بأنهم استفادوا منها، وبارك الله لهم فيها.

وقد علمت بأن الطالبة مسعودة طالبة جادة ومجتهدة، وكانت الأولى على دفعتها، وهو ما أفرحني كثيرا وشجعني على كتابة هذه الرسالة إليها، تحفيزا لها على المضي قدما في مسيرة الجدية والتفوق والقدوة، خاصة وأنها تشتغل تحت إشراف أستاذة جادة قديرة وهي الأخت الفاضلة الدكتورة حبيبة المانع. 

وأعتقد بأن الموضوع الذي اخترتيه للدراسة وهو ” العمل الدعوي خلال جائحة كرونا دراسة ميدانية ” مهم، لأنه يتصل بشرط مهم جدا من شروط فعالية وبركة الإنتفاع بخطاب الدعوة لدى المتلقي، وهو ما يسميه علماء التربية بـ ” التربية بالأحداث “، وهي من أفعل وسائل التربية والتأثير في النفس والمجتمع، لما يتاح فيها للإنسان من ظروف نفسية مواتية جدا لتلقي المؤثرات التربوية بشكل إيجابي سريع ومفيد، وقد لخصت الحكمة العامة أهمية هذه الوسيلة التربوية الفعالة في مقولة شهيرة وهي ” أضرب على الحديد ما دام ساخنا “. 

 والدعوة في مقصدها الكلي العميق هي عملية تربوية متوازنة، تستهدف التأثير على فكر الإنسان وتصوراته ومشاعره وسلوكه وعمله وعلاقاته، بما يمكِّنه من تحقيق انسجامه وتوازنه وتكامله الذاتي، ورفع مستوى تكيِّفه الفعال مع محيطه الاجتماعي والتأثير فيه. فاستثمار الأحداث والنوازل الجارية في التربية والتعليم والتغيير والإصلاح، تدل على فطنة المربي أو الداعية أو المصلح وذكائه الاجتماعي”. 

ولذلك اعتبر الدكتور الطيب برغوث في دراسة سابقة له، بأن :” فقه اللحظة التربوية “، قانونا أو سنة تربوية بالغة الأهمية في الحياة، وأن النوازل والأحداث التي تمر بالإنسان وهي كثيرة لا تحصى، على تفاوت فيما بينها، من أهم الثروات التربوية المتاحة أمام المربين وفي مقدمتهم الدعاة والقادة والمصلحون الاجتماعيون، لتحقيق الأثر التربوي المطلوب، إذا انتبهوا لهذه النوازل والأحداث، ووعوا قيمتها التربوية الكبيرة، وبادروا إلى استثمارها بفعالية في التوجيه والتأثير المطلوب، وأمسكوا بالشروط الفكرية والنفسية والاجتماعية والمنهجية المعينة لهم على ذلك”. 

مسترسلا بقوله :”من يتأمل في القرآن الكريم وفي السنة والسيرة النبوية الشريفة، وفي سير القادة الكبار، يرى كيف شكل التفاعل مع الأحداث المختلفة مادة توعوية وتربوية بالغة الأهمية، في التأثير على الناس، وتغيير حياتهم، وهذا ما يجعل مثل هذا الموضوع الذي تتناولينه في دراستك هذه، مهما جدا، وخاصة إذا تمكنت من لفت الانتباه إلى أهمية تنمية القدرة على استشعار اللحظات التربوية والتقاطها مبكرا، والمبادرة إلى استثمارها في تحقيق التوعية والتوجيه والتربية المرجوة، من قبل الدعاة والمربين والمصلحين عامة، ونبهت إلى أن ذلك يعتبر قانونا وسنة في التغيير”.. 

ثم يضيف يقوله ” أن الأحداث الكبرى والصغرى ثروة كبيرة بين أيدينا، منا من ينتبه إليها ويستثمرها بفعالية، في تربية نفسه ومن له ولاية عليه، وفي توجيه المجتمع وترقية وعيه والتزامه وتقوية علاقته بالله تعالى، ورفع مستوى كفاءة وبركة أدائه الاجتماعي، ومنا من يهدرها ولا ينتفع بها، ناهيك عن أن ينفع بها غيره، وفي ذلك غبن للنفس والمجتمع وأي غبن! “..

مؤكدا في نفس السياق:” أن جائحة كوفيد 19 من النوازل الكبرى، التي أتاحت للعالم بأسره فرصة كبيرة جدا للمراجعة والتربية وتصحيح مسارات الحياة، ومنهم علماء الإسلام ومفكروه ومربوه ودعاته ومصلحوه وساسته.. وبالرغم من تفاوت هذه الاستفادة منها بين الناس، إلا أن حدا أدنى من هذه الاستفادة، يبدو أنه قد حصل، وإن كنا نحن نبحث دائما عن الحد الأوسط والأعلى في الاستفادة من ثروة الأحداث والنوازل. فهناك حيوية كبيرة على مستوى الحركة الفتوائية، والحركة الفكرية والدعوية عامة، والحركة التوعوية الصحية وغيرها، حيث اجتهد المسلمون كل بما تيسر له، للإستفادة من هذه الجائحة، في الكشف عن كثير من جوانب التوفق والعظمة بل والإعجاز في التوجيهات الإسلامية في مجال الوقاية الصحية جسمانية كانت أم نفسية أم روحية أم اجتماعية بيئية”.. 

ولهذا يرى المفكر الجزائري “لو أن الموضوع يعطي أهمية لسنة أو قانون ” اللحظة التربوية ” في عملية الدعوة والتربية والتغيير، ويلفت الانتباه إليه، ويحفز الإهتمام به، والإمساك بشروطه المطلوبة، حتى لا تضيع منا هذه الثروة الكبيرة في حياتنا، وحتى نستثمرها بفعالية أكبر في تحقيق التغيير والإصلاح الذاتي والاجتماعي والمطلوب”. 

مختتما  توجيهاته السريعة إلى الطالبة، بهذه الحادثة التي وقعت له أيام الخدمة الوطنية العسكرية، في منتصف ثمانينات القرن الماضي، مع أحد أصدقائه المدخنين في مدرسة الضباط بالبليدة، قائلا “كنا كلما جمعنا مجلس مع جمع من ضباط الاحتياط إلا وانجررنا إلى مشكلة التدخين وانقسم الحاضرون إلى مدافعين عن الدخان ومبررين له، ورافضيه له و مشنعين به، فانتهزت فرصة وجود هذا الصديق معنا في المجلس، وكنت أعلم بأنه مقبل على الزواج، فلما بدأ النقاش يحتد حول الدخان كالعادة، غيرت لهم موضوع النقاش إلى مشكلة كنت أشتغل عليها في إطار تحضيري لشهادة الدراسات المعمقة حول التدابير الوقاية من الطلاق في الإسلام دراسة اجتماعية، وبدأنا معا نخوض في هذه المشكلة المعقدة، وكان من بين الأسباب التي ذكرتها لهم أن التدخين ورائحة الفم الكريهة عامة، من بين الأسباب التي تؤدي إلى نفور المرأة من الرجل وتفاقم العلاقة معه مع مرور الوقت، وتؤدي أحيانا إلى الطلاق العاطفي أو الطلاق الفعلي، فرأيت صديقي ينصت باهتمام وتركيز شديد، وفي نهاية الجلسة، قال لنا لقد استطاع الشيخ الطيب أن يقنعني بالتفكير الجدي في الإقلاع عن التدخين حتى أستقبل حياتي الزوجية بلا منغصات لزوجتي الحبيبة، وبلا مهددات لأسرتي المنتظرة إن شاء الله تعالى! “

مستخلصا توجيهاته بضرورة الوعي ” بقانون اللحظة التربوية “، واستثماره بكفاءة وفعالية في الوقت المناسبة وبالشروط المعرفية والنفسية والروحية والإجتماعية المطلوبة، فهو وسيلة فعالة جدا في التوجيه والتغيير والإصلاح الفكري والتربوي والسلوكي والإجتماعي، ناصحا بقوله للطالبة ” أتمنى أن تلفتي النظر في بحثك إلى هذا القانون المهم في التوجيه والتغيير والإصلاح، وأنت إن شاء الله قادرة على ذلك، وتجدين في كتبي الكثيرة مادة تطبيقية غزيرة لهذا القانون.. وفقك الله يا مسعودة لكل خير وأسعدك به في الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى، وجعلك قدوة في محيطك وفي المجتمع إن شاء الله تعالى.” 

 

من خلال هذا العرض  نلمس الجهد الأبوي المطلوب من أساتذتنا عموما لمساعدة طلبتنا في كافة الأطوار، وقد أظهرت التجارب أن العلاقات القوية الأبوية بين المعلم وطلابه يمكن أن يكون لها تأثير مدهش على النجاح الأكاديمي للجميع طلابا و أساتذة و مؤسسات و محيط و مجتمع.. وعلى حد قول بعض أساتذتنا في علم النفس التربوي” عندما يقوم الطلاب بالنظر إلى أساتذتهم كشركاء لهم وليس كخصومهم يصبحون أكثر انفتاحاً في التعلم. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي هذه العلاقة إلى تحويل الفصول الدراسية إلى بيئة تعاونية حيث يكون فيها الطالب أكثر استعداداً للاستماع إلى المعلم وإلى زملائه الآخرين في الأسرة التربوية المنشودة التي تفرخ الأجيال الواعدة و المعطاءة”..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى