وقفات ومواقف

شكل ترسانة حربية..”مدفع بابا مرزوق” آخر أسير جزائري بحوزة فرنسا

 

الأستاذة  نور الهدى ديب

مدفع بابا مرزوق هو مدفع تاريخي ارتبط اسمه بتاريخ الحروب البحرية الجزائرية والدفاع عن الجزائر، في عصر الدولة العثمانية، يبلغ من الطول سبعة أمتار ويبلغ مداه من مكانه أي ميناء الجزائر حاليا إلى حصن تامنفوست بالمرسى الكبير أي حوالي خمس كيلومترات (4872 متر بالضبط) وقدر ثقله ب12 طن، أستحدث بابا مرزوق عند انتهاء أشغال تعزيز مدينة الجزائر العاصمة سنة 1542.

لقد صنع المدفع من قبل سباك من البندقية بطلب من “الباشا حسان” الذي جاء خلفا لخير الدين،  ومدفع بابا مرزوق قطعة من المدفعية فريدة من نوعها دافعت عن الجزائر العاصمة، وقد تم تصويب المدفع نحو لا بوانت بيسكاد (غرب الجزائر العاصمة) لمنع إقتراب السفن الغازية من الجزائر العاصمة.

يسميه الفرنسيون بالمدفع القنصلي (بالفرنسية: consulaire)‏، بعد أن قام حاكم الجزائر أواخر القرن السابع عشر حسين ميزومورتو وهو بحار ايطالى أسلم في الجزائر و انظم إلى الأسطول الجزائري ، عرف عنه الشجاعة و لقبه الإيطاليين بميزو مورتو Mezzomorto لأنه كان يسبب لهم الرعب والخوف ويعني حسين النصف ميت لأنه بقي حيا بعد إصابته فى دماغه بضربة سيف فى إحدى المعارك البحرية .

دفع جزية باهضة

كان في بدايته أحد قادة رياس البحر الكبار وأثناء حكم الداي بابا حسن شن الفرنسيون حملة صليبية كبيرة هدفها إحتلال الجزائر سنه 1682 بقيادة الأميرال الفرنسي دوكين و قصفتها لكن سرعان ما انهزم الاسطول الفرنسي ، و كان هذا الهجوم مثار سخرية الجزائريين ، إذ أن المصاريف الضخمة التي كلفتها لم تكن تتلائم مع النتيجة التي كانت عبارة عن الصفر .

-و قد أراد الفرنسيون أن يمسحوا هذه السخرية ، فأعادوا إرسال دوكين بحملة أكبر إلى الجزائر و طالبه الملك الفرنسي لويس الرابع عشر أن يدمرها عن آخرها ، ووصل بالقرب من العاصمة في 18 جوان 1683م و أخذت السفن تقذف حمم مدفعيتها على المدينة ، و تولى حسين ميزو مورتو الدفاع عن المدينة ، لكن الداي بابا حسن نظرا لصعوبة الموقف وافق على التفاوض مع الفرنسيين على دفع جزية باهضة وإطلاق جميع الأسرى الفرنسيين في الجزائر ، هذا الرضوخ من الداي لم يعجب طائفة رياس البحر وزعيمهم حسين ميزو مورتو ، و قبل أن تعقد الاتفاقية دخل الرياس على الداي بابا حسن فقتلوه و تم تعيين حسين ميزومورتو دايا مكانه.

-بعد توليه الحكم أرسل مباشرة خطابا شديد اللهجة إلى قائد الحملة الفرنسية دوكين ينذره فيها بكارثة وخيمة للأسرى الفرنسيين الموجودين في الجزائر، إلا أن دوكين كان مغترا بقوته فرفض الاستماع لتهديد الداي الجديد الذي ما كان منه إلا أن أحضر القنصل الفرنسي الأب لوفاشي المتهم بالتجسس على الجزائر وأدخله في فوهة أحد المدافع وقذفه على الفرنسيين فتطايرت أشلاءه في عرض البحر وسط دهشة الجنود الفرنسيين، ولم يكتفي بذلك بل اتبعه بعشرين أسيرا فرنسيا آخر من أعوانه وأمام هذا التحدي الكبير جبن دوكين و بدأ في الانسحاب في شهر أكتوبر بعدما فشل في تحقيق شروطه.

الجزائر لا تساوم

-والجدير بالذكر أن هذا المدفع الذي سماه الجزائريون بابا مرزوق وسماه الفرنسيون مدفع القنصلية نسبة إلى قنصلهم لا زال موجودا وقد أخذه الفرنسيون إلى فرنسا بعد إحتلال الجزائر سنة 1830 ونصبوه في أحد أكبر ساحاتهم داخل سياج حديدي انتقاما منه على فعلته الجريئة.

بعدها أرسلت فرنسا وفدا للتفاوض مع الجزائر توج بعقد اتفاقية سلام بين الطرفين لمدة مائة عام…. لكن الاتفاقية الجزائرية الفرنسية لم تلبث أن نقضت بسبب اشتباك بين بحارة جزائريين وبحارة فرنسيين فقررت فرنسا مرة أخرى استغلال الحادثة لغزو الجزائر حيث سيرت أسطولا كبيرا حاصر الجزائر حيث أرسل قائد الحملة تهديدا للداي حسين ميزو مورتو، يحذره فيها من المساس بالفرنسيين مثلما حدث سنة 1683م وإلا سيقتل كل الأسرى الجزائريين لديه ، وما كان من الداي حسين إلا أن قدم القنصل الفرنسي إلى المدفع وقذفه إليه قائلا له : “لو كان والده مع الأسرى ما كان ليتردد عن الدفاع عن الجزائر” .

– و مثل سابقيها فشلت هذه الحملة أيضا وأصبحت السفن الفرنسية لقمة سائغة للبحارة الجزائريين وبعدها عاد الفرنسيون الى الخليفة العثماني يترجوه إلى عقد اتفاق جديد مع الجزائر فاضطر الداي حسين إلى القبول لكن أغلبية رياس البحر كانوا يعارضون تجديد الاتفاق بسبب الخيانات الفرنسية المتكررة مما دفع بالداي حسين ميزومورتو إلى الاستقالة حيث عينه الخليفة العثماني قائدا عاما على الأسطول العثماني و توفى سنة 1701 م رحمه الله تعالى.

قلعة منيعة

وبعد احتلال مدينة الجزائر المحروسة بأيام قليلة حوله الجيش الفرنسي الذي احتل المدينة ووهبوه لملك فرنسا كغنيمة حرب.في القرن ال15، كانت الجزائر العاصمة عبارة عن قلعة منيعة أطلق عليها سكانها إسم “المحروسة”، وخلال تلك الحقبة التي تميزت بتحولات سياسية وعسكرية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، كان هذا المدفع يلعب بالنسبة لمدينة الجزائر العاصمة دور “الحامي” القوي بحيث أنه كان الوحيد الكفيل بالتصدي لكل الهجومات التي تستهدف مدينة الجزائر العاصمة، مدينة “الرياس حسان” وقورصو، ومن أولى أيام سقوط الجزائر العاصمة في جويلية 1830، سارع البارون “غي دوبيري” للاستيلاء على “بابا مرزوق” لينقله على الفور إلى بريست، حيث أحيط بسياج حديد وعلى رأسها ديك كرسالة واضحة حول الهيمنة الفرنسية على هذا الإرث التاريخي.

وحاليا تطالب الدولة الجزائرية  باسترداد هذا المدفع “التاريخي” من الدولة الفرنسية التي وضعته بساحة مدينة برست وهو أخر آسير جزائري هناك بفرنسا..  وبابا مرزوق نظمت حوله الدواوين الشعرية في الغناء الشعبي .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى