فوج الارشادوقفات ومواقف

تعالوا نحلم.. الحياة أثمن بعد الحرية

 

بقلم الكاتبة: فضيلة بودريش

ما أشبه اليوم بالأمس نفس العزيمة وذات الحرارة والنبض، حتى التفاصيل كأنها تعود من بعيد محملة بالصبر والطاقة وبريق الكبرياء، نعم بالكبرياء والوفاء شحذت الدماء، وبنفس الوقود الحي رفع الأحرار الغبن ومسحوا غبار التعب..التعب من الحرمان..الحرمان من حرارة وحرية الأرض، لا يمكن للمعيار النوفمبري أن يخطأ في مواصلة رسم خارطة التاريخ وإضاءة نهج الجغرافيا وتعبيد المسار الصحيح في طريق المستقبل، لأرض تدهشك في بساطتها لكن بجمالية ودفء، وصدق الطبيعة يلثمك وعمق خصوصيتها يجعل للحياة أكثر من معنى، رغم شراسة الحرب التي عبثت بالقلوب والأشياء، ورغم ذلك بقيت شهية وعنيدة، تحرضك دوما على الالتصاق بها بوفاء والانطلاق نحوها من دون قيد التردد، وما ينقص يندرج ضمن مسؤولية الإنسان كقامة وقيمة .. وكل مستحيل يقلب بالنظرات.

بالفعل يمكن للسفر أن يجدد الركود وللرحلة أن تفتح المدارك حول منافذ ومعطيات جديدة ومختلفة، لكن يبقى في الوجد ما لا يمكن العثور عليه حتى على سطح كوكب جديد، لأنه لا يمكن للأرض وحدها أن تصنع ذلك الفارق المحفز على التميز والرخاء، ولأن الحاجة لا تنقطع عن برج عاتي للقيم، فالقيم وحدها من تأخذ بالأيدي وتسرع الخطوات وتفشل ضربات الإخفاق. إذا تعالوا نستعير “خف” الحلم تماما وحتما مثل أمس لافتراش الحقيقية، فبالحقيقة وحدها تسطع الشمس ويضيء القمر الوجه المعتم من الأرض، التي نستلهم منها روح التشبث بمشاعر الانتماء.. وما أحلى تلمس مشاعر الانتماء إلى أرض تدين لها الحرية بالولاء.

من قمم عالية يصدح الصوت بالشهامة مع اختلاف اللحظات، فمن الجبال الراسية ذات زمن مشحون بلذة الحرية إلى قمم العلم، التي ينبغي أن تكون نقطة ارتكاز وتوازن للطموح والاستمرارية، الاستمرارية في الخط الصحيح وعبر ضفاف النهر العذب.. يتفجر منه سلام نفسي يمتد شعاعه لترق القلوب القاسية في العالم.

فلا غرابة أن تذهل المياه الصافية المتذوق حيثما كان، ويفلت الهواء نقيا صافيا منتصرا على الألوان، لأن دماء التضحيات تخجل من ملامستها أصغر المخلوقات، وليعود إصرار نوفمبر فينا، فلا نتردد في الانطلاق لأنه لا سقف لعلو السماء، ولا حدود لمسار الطريق في طموحاتنا المجنحة بالجد، وقطرات العرق لا تجف من السواعد ومن الذاكرة المثقلة بالمسرات والفجائع ذات مرة وخارج زمننا، الذي افتك منا غصبا وقهرا، لكن إرادة الأذهان التي لا تغفل أو تنام صححت بالممحاة والقلم كما بالبارود والنيران، هفوات من بطشوا بكرامة الإنسان واستعلوا على قانون الحياة. كل أصوات الحرية حيثما وجدت بعيدة أو قريبة صديقة أم غريبة، ذابت ألوانها ومعتقداتها وطرحت حساباتها وراء الجدار.. وهتفت للأحرار  من الجزائر وحيثما انتفض الثوار.

الحياة على هذه الأرض أبوابها مفتوحة.. هويتها ثابتة لا تتبدل ولا تغير العنوان، دون شك، نتقاطع حول الثوابت ونلتقي على القواسم ويمكن تقاسم الأحلام..لذا تعالوا نحلم..أتعلمون أن الحياة بعد الحرية أثمن,, حان الوقت إذا أن ننتقل.. أن نرتفع.. أن نلامس بعد الذاكرة ..نبتكر لحياتنا ولأجيالنا ومسرى التاريخ ينبض فينا..لغة للجد ونبرة للجهد وصوت للمنطق، مثل ذاك الذي حمله أبطال الحرية بصدق وشهامة الأقوياء..ليس مستحيلا أن نتسلق منحى الصعود، لأن النجاح يبدأ بفكرة صغيرة وحلم بسيط، وعلى أرضنا عشنا الفرح والموت وتجاوزنا الحزن والألم، وصبرنا على مرارة الفقدان وجشع الحرمان، فلنولي الصفحات المتعبة بخوفنا، ونخفف من قتامة الألوان في أحلامنا، فلتكن بيضاء مثل زاد الصغار أو خضراء ليتنفس العالم الطليق من هوائنا الخالي من جزيئات الدمار.

أتعلمون يا من تتفقون معي على بناء الحلم، أننا “الأسطورة” التي تحكي كل يوم ومنذ زمن بعيد سرا ودهشة وعبرا..أتركونا لا تحرموا غيرنا من الحلم.. نحن نرغب أن يحلم العالم معنا ليسلم الضعفاء من الذوبان.. فأرضنا تحرضك على ذلك، لا يمكن للشوق الاختباء وراء اليابسة أو الماء، الشوق يعترينا في اليقظة والأحلام، فمن نوفمبر الثورة وما قبل نوفمبر كانت المقاومة..واستمرت حكايتنا مصدرا للإلهام.. نقاوم من دون حسابات، ننتصر في صمت .. نبارز الشيطان عدو الحرية والإنسان ولم ينته الوقت بعد.

تعالوا نحلم.. الحياة  أثمن بعد الحرية على أرض الحرية، الشهداء وحدهم يعودون معنا ومع الأجيال في كل مكان، نقرأهم في مساراتنا في انتصاراتنا، نلتقيهم في إبداعاتنا وابتكاراتنا التي مهما ارتقت تبقى خفيفة في الميزان، وكثير منا لو لا الشهداء ما ذاق العلم وما بلل الحبر ثناياه، وفي المشفى يتساوى المرضى لأن العلاج أمنه أبطال الحرية ودفعوا ثمنه من دمائهم هدية.

فلننطلق معا لنستنشق ونتلمس أعماق ودفء الحرية التي تسري في عروقنا وتلون دمائنا، حرية نستمد من سلطانها حب الحياة ونواصل التواطؤ مع الآخر مهما اختلف عنا وابتعد منا، لنصدح بأحرف من حب وسكينة وآمان..أتصدقون  أنه يخيل لي أننا من الحرية نرتشف قهوة وحليب الصباح، لأن الحرية وجبة صحية في الحياة، نعم هناك على هذه الأرض من يموت إذا كبل السجان الحرية، فلا نحرم من اختلف معنا لذة الاحترام فالحرية للجميع والحب يستحقه الجميع.. تعالوا نحلم معا كما بالأمس..لأن الحياة أثمن.. الحياة هدية للإنسان.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى