وقفات ومواقف

الصائم بين التخلية والتحلية بأنوار الرحمات

د/سليم عمري

اختلى رسول الله “ص”  بنفسه في غار حراء وتحنّث الليالي ذوات العدد حين نازعته نفسه باحثة عن حقيقة الكون العجيب المنتظم في نسق عجيب مدهش، الذي يلقي على وجدانه تساؤلات تدعوه بحثا عن إجاباتها أن يختلي منفردا متخفيا لعلّه يجد سبيلا إلى ذلك والذي تترجمه له فطرته المودعة فيه فتدفعه سعيا وراء ذاك السر العظيم، فلم يكن ذلك إلا بعد أن صفت روحه عن أدران الدنيا ووحل شهواتها، ونوازع الطبيعة الطينية الذي تجتذبه، فرقت وتعلقت بالعرش كصورة ملائكية نقية عن كل ما يغلّها عن استقبال نور الله وحكمته متمثلة في كتاب الله العزيز، فقرأ بفطرته كتاب الله المنظور، فسطعت على قلبه آيات كتاب الله المسطور.

فسار على ذات النهج رسول الله “ص”، حين علم حقيقة أسرار أنوار الله وكيف تتنزل وما يجب أن يكون عليه المحلّ -أي قلبه- من الطهارة والنزاهة والخلوّ من كل ما من شأنه أن يحجُب عنه مكامن البركة الإلهية، من غشاوة الدنيا وملذاتها وسحر الطبيعة الترابية وشهواتها، وما عليه الفطرة البشرية من حبَّ التملّك والتمتّع والتلذّذ، فكان مهبط القرآن العظيم على أطهر قلب رجل، فعن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ قالَ : “إنَّ اللَّهَ نظرَ في قلوبِ العبادِ ، فوجدَ محمَّدٍ “ص”  خيرَ قلوبِ العبادِ ، فاصطفاهُ لنفسِهِ فابتعثَهُ برسالتِهِ . ثمَّ نظرَ في قلوبِ العبادِ بعدَ قلبِ محمَّدٍ “ص”، فوجدَ قلوبَ أصحابِهِ خيرَ قلوبِ العبادِ ، ..”،  فأرشد نبيّنا أمّته إلى سبيل الهدى والنور، الأمّة التي منّ عليها الله ورحمها بشهر رمضان الكريم الذي عظمه الله ورفع قدره على سائر الشهور الأخرى بتلك الليلة التي أودعها في ثلثه الأخير، ليلة نزول كلام الرحمن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، ففاض ذاك الخير كله فعمّ كل ليالي هذا الشهر العظيم، وسمَت وارتفعت لحظاته بركةً، فشمل فضل الله عباده المؤمنين، ففتح أبواب الجنان وغلّقت أبواب النيران وصفّدت مردة الشياطين فضاعف ثواب العمل، وكتب العتق من النار لعباده في كل ليلة، وأقرّ على نفسه قبول دعوة الصائم، وغيرها من رحمات تتْرى، وآيات تتلى، وأرفع تلك المعاني، ليلة القدر التي أعلى الله قدرها وقدْرَ ثوابها، لمن شهدها وهيأ مقامه لها، بأجرٍ خير ألف شهر.

وهذا هو الباب لمن أراد ان يلج، وهذا الدرب لمن رغب أن يصل، فنور الله لا يتنزل إلا على قلب ساطع بمحبة الله ورسوله “ص”، ولا يكون صفاء القلب إلا بخلوة عن الخلق وعزلة عن الدنيا وذاك السر في عبادة الاعتكاف التي سنها رسول الله  “ص” في الثلث الأخير من شهر رمضان والتي بها يرتفع من وحل الأرض على سمو العرش، ومن البشرية إلى الملائكية، حتى تفتح له أسرار تلك الليلة التي أرشدنا الرسول الأكرم “ص” أن نسأل من الله عفوه، ولن يشع نور الله على قلب تعلق بشعب الدنيا فمارس كل طلباتها، فأصبع مغلولا بقيودها، لا تنفك عنه لحظاته تعتري قلبه، ولن يسكب فيه برد عفو الله، ولن تختمره مشاعر الإيمان والتعلق بالله في هذه الليالي، مالم يخلي نفسه من قبضة الشهوات ثم يحليها بنور رب السموات.

فالتخلية والتحليه أمر من الله إلى كل رسله وأنبيائه لمن رغب لقاءه “إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى”، اخلع الدنيا اخلع الشهوات اخلع عن الطبيعة الترابية، فإنك في حضرة الله نور السموات والأرض، فالواجب على المسلم هذه الأيام أن يخلي قلبه من كل شيء إلا الله، وأن يخلع عنه رداء الجاه والجمال والمال وغيرها إلا رداء العبودية، فإن فعل كان حقا على الله أن يقذف على قلبه نوره ويذيقه برد عفوه في ليلة القدر ” وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ”. والصلاة والسلام على خير من عبد وزكى وعلم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى