وقفات ومواقف

 الدكتور سعيد رمضان سيرة ومسيرة: استثمارات وتضحيات في مسار الداعية تؤتي أكلها ولو بعد حين

في ذكرى رحيل فارس ترجل،

بقلم محمد مصطفى حابس : جنيف / سويسرا* 

 وصلتني رسائل نصية وتعليقات كثيرة منذ عدة أشهر من جهات مختلفة من عالمنا الإسلامي والغربي، شاكرين ومتأسفين..!!  شاكرين، لأنهم من خلال هذه المقالات الخفيفة والمساهمات المتواضعة عن رموز العمل الإسلامي في الغرب، استطاعوا أن يتعرفوا على أسماء كان لها الفضل في ترشيد الأمة عموما وجاليتنا الإسلامية في الغرب خصوصا، حيث يبدو أننا أمطنا اللثام ولله الحمد، على بعض الأسماء التي كانوا لا يعرفون عنها أي شيء، أو يعرفون عنها النذر القليل !!  أمثال المفكر الداعية السويسري روجي دوباسكيي صاحب مؤلفات قيمة بالفرنسية والإنكليزية والالمانية، لم تعرب بعد ؟؟ و شخصيات أخرى عديدة نتطرق اليها تباعا بحول الله في هذا المقال وما يليه..

كأن العلامة محمود بوزوزو، من عصر آخر، من الصحابة أو التابعين الذين عاشوا في القرون الأولى للإسلام؟

 كما وصلتنا تعاليق مغاربية عديدة عن مقالاتنا الأخيرة حول المسار الجهادي بالحبر والعرق والورق لشيخنا العلامة محمود بوزوزو من تلاميذ الإمام العلامة بن باديس، وأحد مؤسسي الكشافة الإسلامية الجزائرية  رفقة الشهيد محمد بوراس، ومرشدها العام الأول في أربعينات وخمسينات القرن الماضي ومؤسس مجلة المنار ورئيس تحريرها،  وكاتب افتتاحيات البصائر عند غياب رئيس الجمعية العلامة محمد البشير الابراهيمي والمدرس في معهد الترجمة بجامعة جنيف السويسرية ، والمرشح لمنصب وزير في الحكومة الجزائرية المؤقتة الأولى والمكلف بترجمة الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي، و .. وغيرها، بحيث كتب لنا أحد الاخوة ، معلقا على بعض مقالاتنا القديمة والحديثة بالعربية و بالفرنسية عن العلامة الشيخ بوزوزو، بعد أن أعَادَت نشرها هذه الأيام، بعض المجلات والمواقع بمناسبة الذكرى الستين لاستقلال الجزائر (1962-2022) وذكرى تأسيس الكشافة (1930-2022)، منها: “العلامة محمود بوزوزو، الزعيم الروحي لحرب التحرير”، و “الثورة الجزائرية في ذكرى انتصارها الستين” و “من تجليات العدالة الإلهية في عودة الحق الى نصابه” و” سجال بين الصليب و الهلال، في أرض الشهداء و الابطال” و “وثيقة تاريخية تنشر لأول مرة حول تحويل كاتدرائيات الجزائر الى مساجد بعد الاستقلال”. و كذا، مقالاتنا بالفرنسية، منها :

–      Cheikh Mahmoud-Bouzouzou, Un maître, un imam, un combattant, un savant, un monument,  Revue Le Débat, Beyrouth.

–      https://oumma.com/cheikh-mahmoud-bouzouzou-un-maitre-un-imam-un-combattant-un-savant-un-monument/

الشيخ بوزوزو وشقيقه الشيخ سعيد رمضان، شبيه بثنائي آخر كان قبلهما هو بن باديس و الإبراهيميّ:

أقول هذا الكلام، لأنه كتب لي أحد الأساتذة الافاضل، تعليقا أخجلني بحيث كتب يقول بالحرف الواحد : “وأنا أقرأ مقالاتك لهؤلاء الاعلام، كنت أظن أن الشيخ محمود بوزوزو هذا، من عصر آخر، من أجيال ذهبية قديمة للأمة، كأن يكون من الصحابة أو التابعين الذين عاشوا في القرون الأولى للإسلام، إذ لا يمكن أن يكون شخص، جزائري، و قبائلي أمازيغي، له هذه الموصفات وتلك التضحيات”!!.

واليوم يسعدني أن أميط اللثام  ببضع الفقرات المقتضبة على حياة ” صحابي” آخر ممن عاشوا في عصر الشيخ بوزوزو- رجمه الله- ولازموه، إنه رفيق دربه في نهاية الخمسينات الى منتصف سبعينات القرن الماضي، لما جاء مهاجرا لسويسرا قادما من بلده الأصلي مصر، فارا بجلده من اضطهاد الناصرية الفرعونية له ولإخوانه !! إنه الشيخ الدكتور سعيد رمضان (1926 – 1995) رحمه الله، الذي يصادف هذا الأسبوع تاريخ وفاته، يوم 4 أوت 1995 والذي أشترك خلال عقود من عمره، في العمل مع العلامة الجزائري بوزوزو في مشروع  حضاري ضخم ، تئن لحمله الجبال وتنشق له الأرض.. إنه إيقاظ وإنقاذ الجالية المسلمة في الغرب، بتأسيس أول مركز إسلامي، وإعادة بعث لسان حاله مجلة ” المسلمون” الرائدة..

وإني لأشبه عمل هذا الثنائي أي الشيخ بوزوزو وشقيقه الشيخ سعيد رمضان، بثنائي آخر كان قبلهما، هما الشيخ عبد الحميد بن باديس (4 ديسمبر 1889 – 16 أبريل 1940) والشيخ محمّد البشير الإبراهيميّ (1889-1965 م)، الذين قررا بعد أداء مناسك الحجّ وزيارة المدينة المنوّرة والمكث بها ثلاثة أشهر معا في وَضْع البرامج والوسائل التي تنْهَضُ بها الجزائر وشعبها. وفي تلك الفترة وجد الشّيخ ابن باديس نفسه بين خيارين، إما أن يلبي دعوة شيخه “الونيسي” في الإقامة الدائمة بالمدينة المنورة وقطع كل علاقة له بوطنه الجزائر، وإما أن يأخذ بنصيحة الشّيخ “حسين أحمد الهندي” بضرورة العودة إلى وطنه وخدمة الإسلام فيه والعربية بقدر الجهد.. فاقتنع برأي الشّيخ الثاني، وقرر الرجوع إلى الوطن بقصد خدمته رفقة رفيق دربه الشيخ الابراهيمي، وبعث روح الصحوة داخل الجزائر، من أجل تنوير شعبها وتعليمهم دينهم قصد تخليصهم من المستعمر الفرنسي المغتصب.  ويؤكد الشيخ البشير الإبراهيمي على أهمية هذه اللقاءات  فيقول: “وأشهد الله على تلك الليالي من سنة 1913م؛ هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي لم تبرز إلى الوجود إلا في سنة 1931م.”.

أقسم لمسلمي العالم أنهم لو بصقوا معا لأغرقوا الظالمين :

فالشيخ سعيد رمضان ( العربي المصري) ، مثله مثل الشيخ  محمود بوزوزو( الأمازيغي الجزائري)، تتلمذ هو أيضا على مجددي القرن الماضي إما مباشرة أو عبر مؤلفاتهم أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ البشير الابراهيمي، والامام حسن البنا ومصطفى السباعي ومن كان قبلهم، أمثال العلامة محمد عبدو وجمال الدين الافغاني، هذا الأخير مع بدايت نشاطاته الدعوية، وبلاده ” أفغانستان” التي تستعيد اليوم استقلالها من المستعمر الأمريكي الغاصب، يُعتبر من مؤسسي حركة الحداثة الإسلامية وأحد دُعاة الوحدة الإسلامية في القرن التاسع عشر، جاب دول العالم الإسلامي ومدن أوروبا، لندن وباريس وجنيف واستقر أخيرًا في آخر حياته بالأستانة «إسطنبول حاليًا» وتوفي فيها.

ربما كانت بداية الدعوة الحديثة للنهوض الجماعي في عموم البلاد الإسلامية، هي صيحات هذا الأسد الهصور، العلامة جمال الدين الأفغاني (1838 – 1897)، الذي أقسم لمسلمي العالم أنهم لو بصقوا معا لأغرقوا الظالمين، والشيخ سعيد رمضان يرى فيه نموذجا وقدوة، حيث ذكر عنه، حول مقالة الافغاني هذه،  فقال :” لقد كان الافغاني متأدبا جدا معنا ومع العدو، وددت لو استبدل كلمة البساق بالبول ، والبول غير البساق، فالبول يعجل بغرق العدو بشكل أسرع  ويختنق أنفاسه بعجل” !!.

كتاب «أم القرى» للكواكبي الذي تخيل اجتماعا يضم ممثلين لكل المسلمين في العالم، لإيجاد حل لـ «هموم مسلمي العالم»:

 ثم ما أتى بعد هذه الصرخة من تداعيات تبلورت في مصر في الثورة العرابية عام 1882، وما تردد من اصدائها في تحركات مسلمي الهند وفي الثورة المهدية في السودان.. ومع بدايات القرن العشرين بدأت ارهاصات أخرى، فعندما اندلعت الحرب الطرابلسية  دعا عزيز المصري وعبد الرحمن عزام إلى التطوع لتشكيل فيلق مصري مسلم ليدافع عن مسلمي طرابلس ضد الغزو. ثم جاء كتاب «أم القرى» للشيخ عبد الرحمن الكواكبي الذي تخيل اجتماعا يضم ممثلين لكل المسلمين في العالم، عقد أثناء موسم الحج تبادل فيه المجتمعون «هموم مسلمي العالم». لكن انهيار الخلافة الإسلامية على يدي الثورة الكمالية في تركيا أشعل في السلطان فؤاد جموح الدعوة لمؤتمر إسلامي عالمي لانتخاب خليفة للمسلمين، وبطبيعة الحال كان فؤاد يتطلع لهذا الموقع، لكنه وبرغم تصدي الأزهر بكل ثقله لمناصرة مطامع السلطان فؤاد فشلت هذه المحاولة فشلا ذريعا، حسب بعض المؤرخين. وقد أصدر أصحاب الدعوة مجلة سموها «المؤتمر» لتنشر في أرجاء المعمورة هذه الدعوة، ويكتب رشيد رضا  في عددها الأول يدعو «إلى أول مؤتمر إسلامي عام يشترك فيه علماء الدين والدنيا من كل الأمم الإسلامية، ومهمته هي وضع قواعد للحكومة الإسلامية المدنية التي يظهر فيها علو التشريع الإسلامي واختيار خليفة وإمام للمسلمين. لكن الصراع على موقع الخليفة بين حكام البلاد الإسلامية أفشل المؤتمر الذي عقد في ذي القعدة 1344 (13 مايو 1926) بحضور هزيل وقرارات أشد هزالا»، حسب ما كتبه المؤرخ اليساري المصري رفعت سعيد.

ومن خضم هذه المعركة بدأ أول تنظيم شبه دولي يدعو لوحدة المسلمين سعياً نحو الخلافة. فرشيد رضا يؤكد في مجلة المنار «أن جميع المسلمين آثمون بعدم تنصيب امام يجمع كلمتهم» ومن ثم ولكي لا يكون آثما فقد دعا هو ومحب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية وبعض تلاميذ الشيخ عبد العزيز جاويش لتأسيس جمعية الشبان المسلمين (غرة جمادي الآخر 1346 ـ 25 نوفمبر 1927) وأنشأوا لها فروعا في يافا وحيفا والقدس والعراق، وزادت فروعها لتصل إلى عشرين فرعا في عام 1930. وكان الامام حسن البنا حاضرا في هذه المعركة، فقد كان وثيق الصلة بكل من رشيد رضا ومحب الدين الخطيب. وكان يستشيرهما في أمور جماعته الوليدة. كان الامام البنا حينها مستشاراً سياسياً لحسين الكبسي الذي حضر الاجتماع التأسيسي لجامعة الدول العربية (1944)، كما كلف البنا أحد أنجب الشباب، أي زوج ابنته، ليقود متطوعي جماعته في حرب فلسطين عام 1948 م.

د. سـعيد رمضـان، داعية موفّق، وخطيب مفوَّه، وسياسي محنك!!  

فالطالب سعيد رمضان كان من الشباب النشطين في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ثم تولى إدارة مجلة “الشهاب” الشهرية التي أصدرها الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ عام 1948م، وقد شارك في حرب فلسطين ، وكان من قادتها في منطقة صور باهر والقدس.. ثم غادرها بعد الهدنة حين أجبرت الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا الجيوش العربية على إلقاء السلاح وإيقاف الحرب والانسحاب من فلسطين، وتركها لقمة سائغة للصهاينة، يعيثون فيها فساداً، يقتلون أهاليها ويخربون بيوتهم، ويقيمون المجازر الدموية لشعب فلسطين، الذي خذله الحكام العرب، ومُنعت الشعوب الإسلامية من الوقوف بجانبه  والمساهمة في الدفاع معه عن أرض المقدسات، أرض الإسراء والمعراج، حيث قام الجيش المصري بأوامر من فاروق باعتقال المجاهدين المصريين في فلسطين وإرسالهم إلى معتقل الطور بمصر.

وقد كتب المستشار السعودي عبد الله العقيل، عن المرحوم سعيد رمضان، واصفا إياه “بالداعية الموفق”، و الأستاذ العقيل معروف للمشتغلين بالعمل الإسلامي والدعوة إلى الله منذ أزيد من نصف قرن، حيث درس بالعراق، ثم رحل إلى مصر في أواخر الأربعينيات، والتحق بكلية الشريعة جامعة الأزهر الشريف، وتخرج فيها عام 1954م ثم عاد إلى السعودية ثم العراق ، ثم توجه إلى الكويت وتولى العديد من الوظائف كان آخرها، مستشار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية، ثم غادر الكويت في عام 1986 ليرجع إلى السعودية حيث تولى منصب الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي، والأمين العام للمجلس الأعلى للمساجد، ثم استقال ليتفرغ للكتابة..

تسمو عنده رابطة العقيدة والدين على رابطة الجنس والطين :

والأستاذ سعيد رمضان- كما كتب عنه المستشار عبد الله العقيل، في مقال بعنوان (سعيد رمضان الداعية الموفق)،أنه “من المقرّبين للإمام الشهيد حسن البنا، حيث زوَّجه كبرى بناته، وهو داعية موفّق، وخطيب مفوَّه، وسياسي محنك، يشد قلوب الجماهير وهو يخطب، ويأخذ بمجامع القلوب في أحاديثه الروحية بالكتائب والأُسر، كما كان له دور فاعل ومؤثر في أوساط الفلسطينيين، الذين وجدوا فيه الصورة الصادقة للأخ المسلم، الذي تسمو عنده رابطة العقيدة والدين على رابطة الجنس والطين، ويعيش للإسلام جندياً من الجنود في أي موقع كان..”

في عام 1948م، توجه إلى العراق عائداً من فلسطين، حيث كانت الحكومة العميلة بمصر تطالب باعتقاله، وقد استقبل في العراق أحسن استقبال بما يجب نحوه، ورغم الضغوطات المصرية على الحكومة العراقية التي كانت تريد تسليمه لمصر بناء على طلب حكومتها، استقر الرأي على أن يُغادر العراق إلى باكستان، حيث وافقت حكومة العراق على عدم تسليمه لمصر.

ثم رجع  لبلده  مصر بعد سنوات في باكستان، وما هي إلا سنوات حتى أضطر لمغادرتها بعد حكم جمال عبدالناصر عليه بالإعدام، حيث تنقل في بلاد عربية كثيرة، وكان للمغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود موقف كريم نبيل، حيث رحب به وآواه وأصدر له جواز سفر سعودي خاص يتنقل به حيث شاء، حسب ما ذكره المستشار عبد الله العقيل.

شارك في العمل على الساحة الإسلامية الواسعة، واستقطب الكثير من العلماء ومفكري العالم:

وقد ساهم د. سعيد رمضان في تأسيس رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، كما كان الأمين العام للمؤتمر الإسلامي للقدس، وأسّس المركز الإسلامي في جنيف مع كوكبة من الدعاة والمشايخ، وواصل إصدار مجلة “المسلمون” كبديل لمجلة “الشهاب” واستمرار لها، وشارك في العمل الإسلامي على الساحة الإسلامية الواسعة، واستقطب الكثير من العلماء والمفكرين من أنحاء العالم أمثال الشيخ بشير الابراهيمي ، والمفكر مالك بن نبي، ود. محمد ناصر، والسيد أبو الحسن الندوي، والسيد أبو الأعلى المودودي، ود. محمد حميدالله، ود. مصطفى السباعي، ومصطفى الزرقاء، ومحمد المبارك، ومعروف الدواليبي، ومحمد أسد، وحيدر بامات، وعليم الله الصديقي، ود. زكي علي، ومحمود بوزوزو، وعلال الفاسي، وكامل الشريف، وعبدالله كنون، ومحمد أبو زهرة، ومحمد يوسف موسى، و يوسف القرضاوي، وغيرهم من أقلام تلك الفترة الذهبية.

أعاد بعث مجلة “المسلمون” التي تستقطب جماهير المسلمين في جميع أنحاء العالم، ويكتب فيها أساطين العلم وقادة الفكر

حتى كانت مجلة “المسلمون” أرقى مجلة إسلامية شهرية في الخمسينيات والستينيات، تستقطب جماهير المسلمين في جميع أنحاء العالم، ويكتب فيها أساطين العلم وقادة الفكر، وكبار الدعاة والزعماء المصلحين، وينتظر المسلمون صدورها بفارغ الصبر، وقد صدرت بسورية فترة من الزمن بإشراف الدكتور مصطفى السباعي ثم في جنيف بإشراف  د. سعيد رمضان، ومساعدة الشيخ يحي باسلامة والشيخ محمود بوزوز وغيرهما.

كما وصفه المستشار عبد الله العقيل بهذه المواصفات التشريحية الدقيقة المبصرة بقوله: ” أن الأستاذ د.سعيد رمضان داعية مرهف الإحساس، كريم الطباع، جياش العاطفة، غزير الدمعة، تغلب عليه الروحانية، وتأسره الكلمة الطيبة، ويتفانى في الأخوَّة الروحية، يبكي ويُبكي إذا تحدَّث أو خطب، أو حاضر، أو ناظر، ويرجع عن الخطأ إذا عوتب، ويستسمح إخوانه، ولا يحمل الحقد ولا الضغينة لمسلم، بل يُؤثر الاعتزال إذا ما أخطأ معه أحد ولا يعاتبه أو يحاسبه على إساءته له”، وقد وقفت دون مجاملة على هذه الأوصاف واحدة تلو الأخرى من خلال قراءاتي عنه،  ما سمعته من معارفه وأسرته،  وكنت قد طلبت من السيدة أم أيمن، حوارا في الموضوع غير ما مرة، لكن ابنها حبيبنا الدكتور هاني رمضان، يقول لي دائما، أن صحتها لا تسمح بذلك لكبر سنها، علما أني أهديتها اعدادا من جريدة البصائر الجزائرية وأعجبت بها، وعلقت عليها، كما علقت حتى على “ضرورة تولي مرسي الحكم (8 أغسطس 1951 – 17 يونيو 2019) في مصر”!!، أيام الربيع العربي 2011-2012،  عموما على كل هذه الاوصاف ستكون لنا وقفات غاية في الأهمية في مقالات مستقلة مقتضبة بحول الله، أذا يسر الله لنا لقاء مع بعض أفراد أسرته الصغيرة والكبيرة.

حياة المهجــر الموحشة مع الحرية أنسب له، رغم ذلك يفخر بأن له في كل قطر إخوان وخلان :

عاش معظم حياته في المهجر، وأبى العودة إلى وطنه مصر، لأنه وجد في الحكام المتعاقبين نسخًا مكرورة للطغاة والعملاء للغرب، وإن تفاوتت مراتب طغيانهم وعمالاتهم، وآثر العيش في ديار الغرب أواخر أيامه مع زوجه وأولاده، وتفرَّغ للقراءة والكتابة، ووجد من زوجته “أم أيمن” ابنة الإمام الشهيد حسن البنا، خير السند والمعين ـ بعد الله ـ مما خفّف عنه غربته، وأعانته على تنشئة أولاده، وواجه فيها محنة الجحود والنكران من بعض من أحسن إليهم، ووقف إلى جانبهم وساعدهم..

كما كتب عنه أيضا: ” أنه كان إلى جانب كونه داعية موفقاً وخطيباً مصقعاً، ومحاضراً ناجحاً، يغوص في أمهات المسائل العلمية السامية للكون والإنسان والحياة”، لقد كان الأستاذ “أبو أيمن” رحمه الله محبوباً من جماهير المسلمين، وبخاصة الشباب، وله في كل قطر إخوان وخلان يذكرونه بخير، ويحبونه غاية الحب، ويدعون له لأنه من أسباب هدايتهم إلى طريق الحق والخير، يذكر هذه الصفات بإسهاب طويل العلامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي في كتابه القيم: “مذكرات سائح في الشرق العربي” قد نعود لها في مقال خاص بحول الله.

توفي الدكتور سعيد رمضان يوم 5 آب/ أوت 1995م بمستشفى جنيف الجامعي بسويسرا، وكان يتمنى أن يدفن بالبقيع بالمدينة المنورة، ولكنه دفن بمصر التي لم يدخلها منذ خرج منها عام 1954م.

بهذه الكلمات لا أريد أن أتزيد في القول عما قيل وكتب هذا الاسبوع عن رحيل الدكتور سعيد رمضان رحمه الله، فقط أحببت بهذه المناسبة المباركة أن أتضرع إلى الله تعالى، بأن يجزل لشيخينا العلامة محمود بوزوزو الدكتور سعيد رمضان المثوبة، ويجزيهما عمّا قدّما في سبيل العلم وإصلاح المجتمع في الغرب خير جزاء، وأن يعوّض الأمة وجاليتنا المسلمة في سويسرا والغرب عموما من بعدهما رجالًا مخلصين و نساء مخلصات يأخذون بيد أبنائها إلى ما فيه رفعتها وعزتها، و للحديث بقية – إن شاء الله – إن كانت للأعمار بقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى