مالك بن نبي …منظومة فكرية جديرة بالاستثمار

مالك بن نبي …منظومة فكرية جديرة بالاستثمار

أحد أعلام الجزائر ومفكريها البارزين تعددت أوصافه بين المدرسة الفكرية وفيلسوف الحضارة وغيرها، خلف إرثا ثقافيا ضخما يزيد على ثلاثين كتابا سطر فيها رؤيته المتبحرة في قضايا المسلم المعاصر وسبيل النهوض من التعثر الحضاري الذي مس مختلف شعاب حياته جامعا ذلك في حلول زاوجت بين الأصالة والمعاصرة بين التنظير ومشاركة الناس آمالهم وآلامهم.

عبد النور بصحراوي

إنه طفرة زمانه وحلية مكانه إنه مالك بن نبي الذي ملك زمام العلوم والمدارك وتنبأ بمخارج للعالم الإسلامي من حاله الحالك فتملك بحق قلوب وعقول الكثيرين عبر أصقاع المعمورة رغم أنه لم ينل تلك المكانة بين بني جلدته.

بداية القصة من مدينة الجسور المعلقة
ولد مالك بن نبي في الفاتح من يناير سنة 1905 بمدينة قسنطينة لأسرة فقيرة مثل غالبية الجزائريين آنذاك زمن الاستعمار الفرنسي، لم يشكل الفقر عقبة للطفل الصغير الذي التحق بالكتاب ليحفظ القرآن الكريم وبعدها بالمدرسة الفرنسية لتتشكل لديه ثقافة مزدوجة منذ صغره.
كان محبا للقراءة والمطالعة، تأثر بفكر ابن خلدون حتى سمي بخليفته وكذا بأعلام النهضة في العالم الإسلامي بداية القرن العشرين على غرار محمد عبده وأحمد رضا.
أنهى دراسته الثانوية سنة 1925 بتفوق، وفي سنة 1930 سافر إلى باريس قصد مواصلة تعليمه بمعهد الدراسات الشرقية حيث اجتاز الامتحان الكتابي بنجاح لكنه رفض بعد الامتحان الشفوي لما أظهره من قناعات وطموحات وهموم تجاه وطنه الصغير والكبير والتي لم يتقبلها ممتحنوه من المعهد الفرنسي.
لم يثنه هذا الرفض عن مواصلة مساره العلمي فدرس في ’’ معهد اللاسلكي’’ في تخصص هندسة الكهرباء وتخرج منه سنة 1935 مواصلا نضاله الفكري والعلمي خاصة أنه كان يقطن بالحي اللاتيني بباريس أين تتواجد الجالية المغاربية التي تقاسم معها أفكاره في الإصلاح والبناء الحضاري والتكتل ضد الاستعمار.
استمر بن نبي في نضاله بافتتاحه مدرسة لمحو الأمية بمرسيليا سنة 1938 سرعان ما أغلقتها السلطات الفرنسية بدعوى أنه ليس لديه مؤهلات لكن وكما يقال ’’رب ضارة نافعة’’ فقد تفرغ ابن قسنطينة بعد ذلك للمطالعة الموسوعية التي كانت سبيله لفهم مشكلات الحضارة وقضايا الإنسان.

من باريس إلى القاهرة…نقلة نوعية

اتجه بن نبي إلى القاهرة سنة 1956 في الوقت الذي كانت فيه الثورة الجزائرية في أوجها حيث كان بتدخلاته في إذاعة صوت العرب داعما لها مؤكدا على ضرورة مواصلة السير في الكفاح المسلح.
وكان قد بعث برسالة لقيادة جبهة التحرير الوطني أبدى فيها استعداده لخدمة الثورة إما كاتبا عنها ومعرفا بها أو ممرضا في صفوف المجاهدين.
هذا وكانت الفترة التي أقام فيها بن نبي بمصر الأخصب فكريا حيث أخرج للعالم عدة مؤلفات قيمة منها ’’ شروط النهضة’’ و ’’ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي’’ كما تميزت هذه المرحلة باكتشافه من طرف المثقفين المشارقة الذين ترجموا كتبه إعجابا بفكره المتفرد.
ألف كذلك كتاب ’’ الفكرة الآفروآسياوية’’ الذي أعجب به كثيرا الرئيس المصري جمال عبد الناصر خاصة وتزامنه مع انعقاد مؤتمر باندونغ سنة 1955 والذي أسس لحركة عدم الانحياز والتي أمل ابن نبي أن يكون كتابه مرجعا لها.

الحضارة في معادلة رياضية
من المعروف اهتمام كثير من المفكرين بالجانب الحضاري للأمم والمجتمعات لكن طرحها على شكل معادلة رياضية كانت جانبا من جوانب تفرد بن نبي الذي جعل الحضارة مجموعا للإنسان والتراب والزمن بالإضافة إلى الفكرة الدينية التي تربط هذه العوامل وتقدم لها الديناميكية.

القابلية للاستعمار أشهر الأفكار
يرى مالك بن نبي أن سبب تخلف المجتمعات الإسلامية يعود أساسا إلى ’’ القابلية للاستعمار’’ هذا المصطلح الذي انفرد به واستعمله أول مرة سنة 1948 في كتابه ’’ شروط النهضة’’ حيث يعتقد أن الظروف التاريخية والاجتماعية والنفسية تجعله يقبل الاستعمار.
كما كانت له رؤية متكاملة في الاقتصاد الإسلامي والإنتاج وتحقيق الثروة وحرب العملات وغيرها من الأفكار التي اتخذتها العديد من الدول مصدرا لنهضتها الاقتصادية.

العودة إلى الجزائر بعد غياب طويل
عاد مالك بن نبي إلى الجزائر سنة 1963 بعد غياب ل 33 سنة حيث عين حينها مديرا عاما للتعليم العالي وبعد مرور أربع سنوات أدرك أن الدولة حديثة الاستقلال لن تتحمل أفكاره وانتقاداته فعاد لبيته ومكتبه المتقشف البسيط يعقد ندوة أسبوعية كل سبت وأحد لطلبته المعربين والفرنكفونيين التي أسست فيما بعد لفكرة ملتقى الفكر الإسلامي.
عانى مفكر الجزائر خلال سنواته الأخيرة من مرض عضال انتهى بوفاته يوم 31 أكتوبر 1973 تاركا وراءه منظومة فكرية جديرة بالاستثمار.
قالوا عنه:
إيمان بن نبي: ’’ كان والدي إنسانا تقيا و قضى جل وقته يدعو الله أن يلهمه الصبر والتقوى’’
حمزة بن عيسى أحد تلاميذه: ’’ لقد كان بن نبي خلال استضافته لي في بيته بالقاهرة يرتب سريري ويجهز لي فطور الصباح في مشهد يبرز تواضعه الجم’’
ويروي البروفيسور مولود عويمر ’’أن تلامذة بن نبي كانوا إذا قصدوا منزله ووجدوا النافذة مفتوحة عرفوا أنه يفكر أو يكتب وإذا كانت مغلقة فهو يتعبد ويصلي’’.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى