غير مصنفوقفات ومواقف

الريسوني والرؤية الوطنية الضيقة لقضايا الأمة

"ما سمعناه لا يمكن اختزاله في التعبير عن رأي شخصي عابر، في ملف الصحراء الغربية وموريتانيا !!"

بقلم محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا

 أتصل بي أحد مشايخنا الشباب من علماء الجزائر أستاذ الشريعة في دول الخليج، معتذرا لي بقوله “لقد كنت غاضبا على ما يكتبه الاعلام حول زلات علماء الأمة” منها مقال لكم، لازلت أحتفظ بنسخة منه الى اليوم، بعنوان:

همسة في أذن شيخنا الجليل العلامة أحمد الريسوني: “ما حدث ويحدث ليس موضوع ترفٍ فكريٍّ، يمكن اختزاله في التعبير عن رأي.” 

وأليك رابط المقال بتاريخ 5 ديسمبر 2016، لكي لا أشق عليك في البحث عنه.. ورابط آخر لتصريحات جديدة وغريبة للشيخ الريسوني، حول الصحراء الغربية، الرجاء الاطلاع عليه، وإفادتنا، مع الشكر سلفا !!

قصتي مع ملف الصحراء في أروقة الأمم المتحدة

وقبل أن أفتح واسمع الشريط، كتبت له على عجل أني أعرف موقف الشيخ الريسوني – حفظه الله- من قضية الصحراء الغربية كموقف دولة صاحب الجلالة تماما، موقف معروف تشترك فيه معه جل الطبقة المثقفة المغربية دون تمييز من أقصى اليسار الى أقصى اليمين، بما في ذلك حتى الأحزاب والحركات الإسلامية، منبها اياه أن للدكتور أحمد الريسوني كتاب في الموضوع بعنوان: “مغربية الصحراء أسس شرعية وواقعية”، معددا فيه ما يسميه هو “الثوابت والأسس الشرعية والتاريخية في قضية الصحراء المغربية”، والتي تعد مرجعا مهما للقصر في هذا الموضوع. وقد أكد الريسوني ذاته في كتابه هذا على أن قضية الصحراء “المغربية (و ليست الغربية)” هي فعلا قضية الدولة والحكومة، بل هي من أوجب واجباتها، ولكنها قبل ذلك وفوق ذلك، قضية شعب ووطن”..

مضيفا له، قصتي مع ملف الصحراء، أني في بداية نشاطي مع المنظمات الانسانية بالأمم المتحدة، أول من التقيت بهم من الضحايا هم العرب، مذكرا إياه أنه كلمني خبير كبير أٌمَمي لبناني، إسمه الحاجي، من جنوب لبنان، أظن أنه متقاعد ولايزال حي يرزق في سويسرا، في تسعينات القرن الماضي، ناصحا لي و أنا حديث عهد بأروقة الأمم المتحدة، أن لا أكون، مثل بعض اقوام عربستان، ثم اعطاني مثال، وقال لي أنظر هناك بعيدا ( في الرواق الطويل) الى ذاك الشخص العملاق طولا والنحيف جسما، صاحب الشعر الطويل الذي يسير لوحده، منذ السبعينات وهو رايح جاي- في هذا الرواق- حتى شاب راسه مع قضية الصحراء التي لن تحل بأمثاله هنا في جنيف، الحل في الميدان مع شعوب المنطقة التي تشترك في العرق واللغة والدين، من ذلك الوقت وأنا أتابع مستجدات الملف الصحراوي عن قرب!!

عندما تهيمن النظرة القاصرة والرؤية الضيقة على إبداء المواقف

لا علينا، ثم أنهيت مراسلتي معه، لأعود لسماع الشريط التلفزي لحوار الشيخ الريسوني مع القناة المغربية، و مع مرور الوقت ازداد تأسفا على زلات نوابغ علماء الأمة، وسقوطهم الحر في مطبات سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فلا يعجب الإنسان عندما تهيمن النظرة القاصرة والرؤية الضيقة على إبداء المواقف من قضايا وطنية أو محلية وتناولها بالرأي والتحليل، على فكر رجل ينطلق من مبادئ قومية أو سياسية بحتة، ولا يزن المصالح والمفاسد إلا بتلك المبادئ، ولكن العجب يتملك الإنسان حين يرى شيئاً من ذلك يحدد الرؤية التي يراها رجل يمثل رمزاً في الاهتمام الشرعي والدعوي ويتمتع بمعرفة عميقة بمقاصد الشريعة وغاياتها السامية وأهدافها الإنسانية النبيلة ..

فالأستاذ الريسوني عندما جره الصحافي، لإبداء ما عنده في قضية الصحراء الغربية، كان يسعه أن يخرج من عهدة الورطات التي أوقعه فيها، بمجرد الإحالة على تفرد حكومة المخزن تفرداً كاملاً بالقرار فيها، وعدم السماح بأي رأي مخالف أن يبرز من الداخل المغربي في إيجاد حل عادل لها.

لكن الرجل تكلم بلسان أمير المؤمنين في بعض ما رآه تارة، وبلسان الدين في بعضه الآخر، فظهر الحال كأن أمير المؤمنين يتصرف برؤية شرعية أو بدوافع إسلامية، غير أنه أخطأ في بعض الأمور الإجرائية ولم يخطئ في شيء من الأمور المبدئية..

نعم قضية الصحراء الغربية صنعها الاستعمار لا نختلف في ذلك، ولكن تصرف الأطراف المتنازعة فيها هل هو خارج عن هذه الهيمنة الاستعمارية أم خاضع لها موجه بها مدار تخطيطاتها الخفية وغير المباشرة؟ أم لا نبدي جريمة الاستعمار فيها إلا في النشأة دون المتابعة و الرعاية؟

تعاليق وردود أفعالٍ جد متشنجة وتساؤلاتٍ كثيرة

ثم تصفحت، بعد ذلك، التعاليق في الفضاء الأزرق، فوجدته يعج بما خلفته تصريحات العالم المقاصدي المغربي ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (خليفة العلامة يوسف القرضاوي- شفاه الله)، وردود أفعالٍ جد متشنجة وتساؤلاتٍ كثيرة لم تفهم المغزى من مثل هذه التصريحات وتوقيتها والغاية منها، فالشيخ الريسوني بتصريحاته هذه يخيب أمال أجيال الصحوة فيه بما فيهم المغاربة، خاصة في عالمنا الإسلامي والعربي عموما، وسبب ذلك تصريحاته هذه حول موضوع استقلال موريتانيا وقضية الصحراء أنهما أراض مغربية؟؟

حيث فرخت تصريحاته هذه، ضجة كبرى في وسائل التواصل الاجتماعي في موريتانيا وكذا في الجزائر بل وحتى في أوروبا.. إذ كان حوار العلامة الريسوني مع قناة بلانكا تيفي / بلانكا بريس، مع الإعلامي المغربي كمال عصامي في برنامج وجوه مشرقة، بث بتاريخ 29 جويلية 2022، وليس تسجيلا قديما كما تريد التملص من ذلك حاشية الشيخ الريسوني في قطر والمغرب.

في هذا البرنامج تطرق الأستاذ الريسوني لموضوع حقوق اليهود في العيش في بلاد العرب، لكنه عارض بشراسة موقف المغرب كدولة في التطبيع مع الدولة العبرية وهذا شيء رائع يحسب له، ولما وصل للإجابة عن ملف الصحراء وموريتانيا، تعثر و تلعثم و ضرب اخماسا في أسداس ولم تحالفه قواه الفكرية فغلبته وطنية عمياء، فوقع في المحظور، وقال كلاما غريبا على رجل في مستواه وفي فهمه، ولمن أراد العودة للتسجيل، ففي التوقيت: 1.29 دقيقة !

يقول ما نصه:

” مشكلة الصحراء صناعة استعمارية وكذلك استقلال موريتانيا، وللأسف تورطت دول عربية شقيقة ومسلمة في دعم بل في تبني هذه الصناعات الاستعمارية،.. للأسف مشكلة قضية الصحراء تتم بمعزل عن الشعب (المغربي) وتعتمد اليوم المغرب في ذلك على اسرائيل…. فالشعب المغربي 35 مليون نسمة، مستعد أن يجاهد بماله ونفسه و .. وأن يتعبأ كما تعبأ في المسيرة الخضراء، وأن يقطع آمال الذين يفكرون في فصل الصحراء.. المغرب مستعد إذا دعا جلالة الملك الى مسيرة بالملايين، نعم بالملايين .. إذا دعا للجهاد بأي شكل !! إذا دعا للجهاد بالمال نحن مستعدون!!… علماء المغرب، دعاة المغرب، مستعدون أن يذهبوا ويقيمون الأسابيع والشهور، في الصحراء وفي تندوف.. نحن لا نقيم مسيرة فقط الى العيون، بل مسيرة الى تندوف ..” نعم الشيخ الريسون، يدعو الى مسيرة جهاد ليس الى العيون فقط بل إلى تندوف!

على أعضاء هيئة العلماء في الدوحة اقالته فورا !!

وهنا تهاطلت شتائم (نتنزه عن نقلها)، أما المعارضات فهي عديدة من جل دول العالم، لما ينزل مستوى عالم مقاصدي بحجم الريسوني لهذه المناوشات المحلية وهو رجل علم وليس وزيرا في حكومة بلاده، والمشكلة أنه يمثل رأس منظمة إسلامية معتبرة، بحيث كتب معلقون كثر، عن “الحادثة ” أو ” المصيبة” كما صنفها أحدهم، واصفا نفسه بابن الصحراء، قائلا:

“.. ان يقع الأستاذ الريسوني في هذه العنصرية الضيقة المقيتة، قد نقبل ذلك إذا كان مسجونا في المغرب أو ممثلا للملكة المغربية، أما وهو مقيم في الخارج في قطر وممثلا للمسلمين، فهذا خطأ فادح وهذه “مصيبة وفتنة كبرى”!!.. وعلى أعضاء هيئة العلماء في الدوحة اقالته فورا !!.. كما هو معمول به فيما يسمى بالأخطاء المهنية في العالم”.

وعلقت سيدة أخرى، تسمى نفسها “حسينية بنت سيدي …”:
 تقول أنها لاجئة صحراوية: “علينا من اليوم فصاعدا أن نقاطع هذه القناة وأن لا نسمي برنامجها “وجوه مشرقة”، بل نسميها “وجوه مشركة ( من الشرك)، وإن الشرك لظلم عظيم، كما جاء في محكم التنزيل“، على حد تعبيرها.

وعلق آخر، قائلا :

” إذا كان الشعب المغربي بالدرجة التي أبداها الريسوني من الحماس والاستعداد لبذل النفس والمال لتحرير الصحراء، وأن التعبئة لذلك تحت شعار الجهاد في سبيل الله، اين هو من التعبئة لتحرير فلسطين أو على الأقل الدفاع عن الشعب المقهور هناك بآلة الاحتلال التي تفعل في قهره واستلابه وقتل أبنائه منذ عقود”.
ورد عليه آخر بقوله:

دعك من هذا المطلب السامي الكبير، واسأل الرجل عن سبتة ومليلية في منطقة الساحل الشمالي، هل وجه المخزن أو القيادات الشعبية مرة في تاريخ هذا السلب الغاشم، نداء لهبة وتعبئة لتحريرهما تحت شعار الجهاد، أو على الأقل تحت شعار النخوة والرجولية التي تقتضي من الإنسان أن يدافع عن حرماته بكل ما أمكنه؟”

وعلق آخر بقوله :

“مما زاد في العجب من رؤية المخزن لقضية الحدود مع الجيران المسلمين، التي مسحها الريسوني بمسحة إسلامية طلباً للاستقطاب والدعاية للموقف المغربي، أن يجعل مدينة تندوف جزءاً من هدف العملية الجهادية المنشودة التي تكون نهايتها فيما لو تحقق هذا الأمل، أن تنتقل هذه المدينة الصحراوية الوادعة من سلطة عربية إسلامية إلى سلطة عربية إسلامية !!”

وعلق آخر بقوله :

مع الأسف اكتشفت ان شريط الشيخ الريسوني بالرغم من أهمية غالب القضايا التي طرحها برؤية متوازنة، اقحم فيه أمرا خطيرا وهو قوله بانه مستعد للمسيرة الى تندوف اذا دعا إليها الملك!؟ وهذا أمر غريب جدا وخطير جدا! فتندوف أرض جزائرية ممهورة بدماء وتضحيات ملايين الشهداء التي سكبت من اجل تحرير الجزائر وتحرير المغرب الكبير كله فكيف يعقل أن يفكر مخلوق في المسيرة اليها؟!

ونصحت اخرى بقولها :

يا شيخ ريسوني ثُب إلى رشدك وتحرر من الذهنية المخزنية التي تسيطر عليك وتحجمك، لترى الأمور في آفاقها الحقيقية بأبعادها المطلقة، ومن ثم تستطيع أن تعطيها التقويم الإسلامي النزيه البعيد عن الصراعات التاريخية والإقليمية، ويظهر لك من ذلك أن  الدعوة إلى اتحاد مغاربي في إطار ثقافة شعوبه الإسلامية هو القضية التي ترتفع فوق قضية الصحراء..

و تساءل أخر قائلا :

ماذا سيقول عنه أخوه العلامة ولد الددو الموريتاني وهو عضو معه في الإتحاد العالمي وهو يتحدث عن غلطة استقلال موريتانيا ؟؟ مستغربا بقوله :” … حقيقة نحن نعاني أزمة قيادة وأزمة علماء.. ولذلك أعتقد أن عبارة الاتحاد العالمي…كلمة عالمي…كلمة صعبة لا تعكس محتواها الذي ينبع من هموم أمة الإسلام.”

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى