الثقافة

العلامةمحمد الصالح الصديق يواصل سرد ذكرياته ويوجه رسالة قوية للشباب”عيب أن يحرر الشهداء هذه الأرض ونحن نضيعها”

 

العلامةمحمد الصالح الصديق يواصل سرد ذكرياته ويوجه رسالة قوية للشباب”عيب أن يحرر الشهداء هذه الأرض ونحن نضيعها”

الجزء الثاني

يستمر حوارنا مع العلامة محمد الصالح الصديق لنكتشف معه سر نبوغه وتعلقه وعطائه الذي لا يزال مستمرا، في محطات فاصلة ومواقف رسمت مسيرة رجل العلم والوطن،من جامع الزيتونة ورحلة طلب العلم إلى الإنضمام للثورة المظفرة في أول يوم تندلع فيه.

بين الجهاد بالقلم والسلاح والدروس المستخلصة لتكون رساله يوجهها عالمنا للشباب وهو في ضل ذلك لا يزال يقدم للوطن والأجيال نفائس أفكاره و خلاصة تجاربه في كتب كان آخرها عن وباء كورونا.

 بدأت مرحلة أخرى ،جامع الزيتونة منارة طلاب العلم في شمال إفريقيا، كيف تبلورت الفكرة وتجسدت ووصلتم إلى تونس؟

حاول والدي الحصول على وثيقة لاسافر بشكل قانوني، ولكنه لم ينجح، لعدة أعتبارات منها أن السلطات الإستعمارية كانت تدرك تماما أن عائلتي اشتهرت بثلاثة أشياء العلم والدين والوطنية .

ولكن رغم ذلك لم أتراجع عن قراري، وحين كنت أتهيأ للذهاب لجامع الزيتونة مشيا على الأقدام  جاء صديق يقال له محمد نسيب وقالي أنا معك، قلت رحلتي ستكون مغامرة، قال أنا معك.

بدأت رحلتي مع صديقي ، ولدى وصولنا إلى تبسة وقعت وشاية فزج بنا في السجن وقضينا في السجن 19 يوم، وذقنا كل أنواع المرارة الجوع ، البرد، الإهانة بالكلمات القذرة والضرب.

وفي طريق عودتنا إلى منطقتنا جاءتني فكرة أن أعود إلى تبسة، وهناك وجهنا الله سبحانه وتعالى إلى رجل محسن، فدبر لنا طريقا إلى جامع الزيتونة مشيا على الأقدام مع رجل يعمل تاجرا بين الجزائر وتونس في ثلاثة أيام، ولم نكن نأكل في الطريق إلا الحشيش الذي يؤكل.

وصلنا إلى جامع الزيتونة وانخرطنا في سلك الدارسيين، وهناك طلبت أن اتخطى السنتين الأولى والثانية، وادرس السنة الثالثة مباشرة ، وقد نظمت لي لجنة من العلماء، بعد ثلاث ساعات من استجوابي واختباري انبهروا بما كنت أحمله من علم وأعجبوا بي واعطوني المستوى الذي طلبته، بقيت هناك إلى غاية سنة 1951،

في هذه المرحلة تميزت بين الطلبة من خلال عدة أمور منها، أني كنت أكتب في الصحافة وانا مازلت طالبا في  في جريدة “صوت الطالب الزيتوني”، وكنت أكتب مقالات مناهضة للإستعمار.

الأمر الثاني الذي تميزت به، هو أني ألفت كتابا في أربعة أجزاء وعنوانه “أدباء التحصيل”، والأمر الثالث أن الصحافة التونسية كتبت عني وأنا طالب، وشاركت في الامتحان النهائي فنجحت بتفوق وعدت الى الجزائر والتف حولى الطلبة ودرستهم 4 أعوام.

وكنت القي كل خميس محاضرة على 450 طالب،وكنت أعمل شيء لا يمكن لعاقل أن يفعله..أتحدث عن فرنسا الإستعمارية دوت أن أتعرض لمضايقات، ولكني اكتشفت في المدة الاخيرة ان هناك وثيقة في فرنسا تحدثت عني كاخطر شاب على فرنسا في تلك الفترة.

بالحديث عن دخولك معترك النضال في سبيل الوطن، حدثنا عن بداية انخراطك في صفوف الثورة التحريرية؟

تزامنا مع هذه الفترة هناك ثلاثة اشحاص كانوا فارين في الجبال حكم عليهم بالإعدام من طرف فرنسا، لوطنيتهم الصادقة كريم بلقاسم واوعمران وذبيح الشريف، أيام قلائل قبل الثورة وعند سماعهم بأمر الخطب التي كنت ألقيها، ارسل لي كريم بلقاسم  طلبا للقائه وقال لي  “كيف لك أن لا تخاف من فرنسا”ثم سألني بالقول “هل ترى ستستقل الجزائر”، قلت نعم.

التحقت بالثورة في أول يوم لها في أول نوفمبر 1954،فقد أوكلت إلي مهمة، ناضلت في الميدان العسكري بالرشاشة وفي العمل السياسي بالعلم واللسان ، وفي 1956 اكتشف امري وتم ايقافي وذكر كل ما بدر مني ولكني انكرت كل الإتهامات،

بعدها انصرف الضابط الذي استنطقني وقال لي الشخص الذي كان يترجم عنا انه ذهب لاحضار المسدس لقتلك…ولكن تفاجأت بعودته وبيده كتابي “مقاصد القران”،وقال “ساعة وانت تكذب”   من كتب كتابا مثل هذا مستحيل أن يكون بعيد عن الثورة”.

وحين بلغ قادة الثورة الخبر تم ارسالي الي القاهرة ثم تونس اين تم شغلت محررا في جريدة “المقاومة “لسان حال جبهة التحرير الوطني عملت فيها 11 شهر ثم عينت مرشدا سياسيا في الصحراء الجزائرية فقضيت مع المجاهدين أشهرا، ثم عينت مسؤولا عن الإعلام في ليبيا مشرفا على الإذاعة والصحافة حتى نهاية الثورة يوم الإثنيين 19 مارس 1962.

كانت مسيرتكم الثورية لا تخرج من مجال الفكر الذي انطلقتم منه، وبالعودة لمجال التألييف والكتب كيف كانت بدايتكم؟

أول كتاب ألفته “أدباء التحصيل”في تونس في فترة دراستي في جامع الزيتونة،  ولدى رجوعي للجزائر ألفت كتاب “مقاصد القرأن”، وقد نال هذا الكتاب شهرة واسعة،وهنا أتذكر قصة عجيبة كنت مع صديق تمنى على الله أن يرزقه فيلا في أعالي بوزريعة وأنا في الوقت نفسه تمنيت على الله أن أعيش حتى أبلغ تأليف 100 كتاب.

كتبت في كل شيء، لا أتصور مجال لم أكتب فيه ،…على الأخلاق ، كتبت على الثورة الجزائرية 17 كتابا، ألفت في مجال القرآن والسنة،وحين بلغت 100 كتاب خشيت أن أموت،ودعوت الله أن يزيدني عمرا لأزيد تأليفا، وبالفعل كتبت 57 كتابا آخر ،وكان آخر كتاب كتبته عن “وباء كورونا  هذا الوباء الذي فقدت بسببه أحد أولادي.

نلت منذ فترة تكريم من طرف وزيرة الثقافة والفنون السيدة صورايا مولوجي حدثنا عن ذلك؟

،كرمتني السيدة الوزيرة في قصر رياس البحر وفي خطابها قالت “أتعهد أمامكم بأنني سأطبع 4 كتب للعالم محمد الصالح الصديق”،

بعد هذا التكريم بأربعة أشهر زارتني الوزيرة هنا في بيتي مرفوقة بالأمين العام لوزارة الدفاع الوطني، تحدثنا في عدة مواضيع كانت تحمل كيسا وضعته جانبا، ثم قالت يا أستاذ طبعت لك 11 كتابا، رغم أنها تعهدت سابقا يطبع أربعة كتب، ولكن الله اجتباها لتطبع 11 كتابا، من 57 كتاب التي لم تطبع بعد.

لو سألك أحدهم عن مقومات النجاح ماذا كنت تقول؟

من أراد النجاح الحقيقي فليمتن علاقته بالله، إذا أردت أن تنجح نجاحا باهرا صحيحا،صادقا فعليك أن تمتن علاقتك بالله لانه هو من يرفع وهو من يخفض،فالله يدير الأمور ، فإذا  كان الإنسان يسير على طريق الله وظاهره كباطنه، فالله لا ينتركه،فتجربتي في سجن المستعمر وأنا في طريقي لتونس كان تدخل لإراده الله واضحا في توجيههنا، في طريق رجوعنا للجزائر جاءتني فكرة أن ننزل ونعود لتبسة، لم يكن تخطيطي وانما تخطيط الله،كان ينتظرنا محسن كلمة قلنها هزت كيانه من جملة الكلام الذي قيل لنا في السجن ونحن نتعرض للضرب “اتريدن الذهاب لجامع الزيتونة لتفعلوا ما فعله بنا ابن باديس”،تأثر ذاك المحسن وقال بمشيئة الله ستذهبون لجامع الزيتونة وتعودون مثل ابن باديس”.

محمد نسيب صديقي الذي اصطحبني إلى تونس لم يقدر له الدراسة هناك، تعرض لحادث فعاد الى الوطن ورجع مرة أخرى فأصيب بمرض وعاد، ولكن أراد الله بي أن استزيد علما حتى تفوقت على 5000 طالب.

تفصلنا أيام على ذكرى أول نوفمبر المجيدة،كلمة توجهونها للشباب للإلتفاف حول تاريخ بلدهم؟

من عاش فترة الإستعمار الفرنسي وعاش الحرمان والفقر يستحيل كل الإستحالة ان يتصور النصر للجزائر

ولكن من عرف وطنية الجزائري وتمسكه بالله وايمانه وحبه للحرية والإستقلال يؤمن بأن الإنتصار سيكون لهذا الشعب، فالشعب الجزائري لم ينتصر برشاشة ،نعم الرشاشة لها دورها ولكنه انتصر بايمانه بالله  وبما يخططه له وانتصر بتمسكه بربه وبكونه على طريقه، ومن هنا كتبت كتابا حمل عنوان ” البعد الروحي للثورة التحريرية “قلت فيه لا يستهان بالمعدات ولكن وراء الرشاشة الروح المعنوية.

قد يندهش القارئ  لما سأقول…هناك فضل كبير يعود للاستعمار الفرنسي في انتصارنا كيف لو أن فرنسا عندما دخلت للجزائر مستعمرة سوت بين الجزائريين والفرنسيين وعاملتهم على حد سواء ولم تحرم الجزائريين من عربيتهم ودينهم وارضهم لما خرجت من الجزائر.

كلمة اخيرة توجوهنا للشباب؟

المجاهد الجزائري حين كان يدخل للمعركة لا يفكر إلا بشيء واحد ، مافعله الإستعمار بأمة وأخته وإخوته مافعله بالجزائر،فالكثيريين لا يفهمون القرآن يقول الله سبحانه وتعالى “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة”، فالفئة القليلة هم المجاهدين ولكن في نفس كل مجاهد ثورة من الغضب من جراء الظلم والإستنكار  لجرائم فرنسا الإستعمارية، تصور أن الكلب الذي كان يملكه الفرنسي كان يتمتع بالحياة أحسن من الجزائر.

أقول للشباب من اصبح يرمي بنفسه في البحر للوصول إلى الضفة الأخرى، عيب أن يفعل الشباب شئ كهذا.

نصيحتي للشباب أولا أن يحبوا الجزائر، ثانيا أن يبرهنوا أنهم جزائريين، ثالثا أن يحافظوا على الأمانة التي تركها المجاهدون والشهداء وهي الحرية التي كلفت هذا الشعب ملايين الشهداء ممن ماتوا في سبيلها أكثر من 7 ملايين في مختلف الثورات من مقاومة الأمير عبد القادر إلى مقاومة المقراني والشيخ الحداد وغيرهم…يضاف اليهم المليون ونصف مليون شهداء الثورة النتحريرية من أجل أن نتمتع بالحرية.

أليس عيب أن يموت هؤلاء من أجل أن ننعم بالحرية ثم نضيعها نحن، على الشباب أن يدرك قيمة الحرية ويدرك قيمة الدماء التي سالت فوق هذه الأرض، ويدرك قيمة الأمانة التي تركوها ، فعيب كبير أن يحرر هؤلاء الجزائر ونحن نضيعها.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ماشاء الله مسيرة متميزة للعالم ‘ بفضلكم ينعم شبابنا بالحرية ‘ دمتم فخرا للجزائر وشكرا لجريدة البركة على المواضيع القيمة التي تقدمها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى